تجده عند غيره علما يخرجك عن نقيصة التّقليد، ويرفعك عن طبقة المقتصر على الإشارة، دون البيان والإفصاح بالعبارة.
واعلم أن العبرة الثانية التي هي مرور الشيء على العيون، هو معنى واحد لا يتكثّر، ولكنه يقوى ويضعف كما مضى. وأما العبرة الأولى، وهي التفصيل، فإنها في حكم الشيء يتكثر وينضمّ فيه الشيء إلى الشيء. ألا ترى أن أحد التفصيلين يفضل الآخر بأن تكون قد نظرت في أحدهما إلى ثلاثة أشياء، أو ثلاث جهات، وفي الآخر إلى شيئين أو جهتين؟ والمثال في ذلك قول بشّار (١): [من الطويل]
كأنّ مثار النّفع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
مع قول المتنبي (٢): [من الطويل]
يزور الأعادي في سماء عجاجة ... أسنّته في جانبيها الكواكب
أو قول كلثوم بن عمرو (٣): [من الكامل]
تبني سنابكها من فوق أرؤسهم ... سقفا كواكبه البيض المباتير
التفصيل في الأبيات الثلاثة كأنه شيء واحد، لأن كل واحد منهم يشبّه لمعان السيوف في الغبار بالكواكب في الليل، إلّا أنك تجد لبيت بشّار من الفضل، ومن كرم الموقع ولطف التأثير في النفس، ما لا يقلّ مقداره، ولا يمكن إنكاره، وذلك لأنه راعى ما لم يراعه غيره، وهو أن جعل الكواكب تهاوى، فأتمّ الشّبه، وعبّر عن هيئة السيوف وقد سلّت من الأغماد وهي تعلو وترسب، وتجيء وتذهب، ولم يقتصر
(١) البيت في ديوانه، والإيضاح ص ٢١٣، تحقيق د. هنداوي، والمصباح ص ١٠٦، والشعر والشعراء ص ٧٥٩، ودلائل الإعجاز ص ٩٦، تحقيق د. محمود شاكر، والتبيان ص ١٩٨، والمفتاح ص ٣٣٧، ويروى «رءوسهم» بدلا من «رءوسنا». مثار النقع: الغبار الذي أثاره المتحاربون. تهاوى:
أصلها تتهاوى خفف بحذف إحدى التاءين: تتساقط.
(٢) البيت في ديوانه ١/ ١١٩، والإيضاح ص ٢٣٦، تحقيق د. هنداوي، والتبيان للعكبري ١/ ٨٠.
يقول: إن العجاجة لما ارتفعت في الهواء حجبت السماء فصارت سماء، وبدت الأسنة لامعة فيها كالكواكب فشبه العجاجة بالسماء، والأسنة بالكواكب، وهو كثير في أشعارهم.
(٣) البيت لعمرو بن كلثوم ويروى لكلثوم بن عمرو العتابي، من ولد عمرو بن كلثوم صاحب المعلقة في مطبوعة د. محمود شاكر وهو في الإيضاح ص ٢٣٦ تحقيق د. هنداوي.
1 / 130
مقدمة السيد محمد رشيد رضا
[مقدمة المؤلف]
القول في التجنيس
فصل في قسمة التجنيس وتنويعه
المقصد
تعريف الاستعارة
تقسيم الاستعارة
القول في الاستعارة المفيدة
فصل
فصل
فصل
فصل
فصل
فصل في مواقع التمثيل وتأثيره
فصل
فصل هذا فن آخر من القول يجمع التشبيه والتمثيل جميعا
فصل
فصل في التشبيه المتعدد والفرق بينه وبين المركب
فصل هذا فن غير ما تقدم في الموازنة بين التشبيه والتمثيل
فصل في الفرق بين الاستعارة والتمثيل
فصل
فصل نوع آخر في التعليل
فصل في تخييل بغير تعليل
فصل في الفرق بين التشبيه والاستعارة
فصل «في الاتفاق في الأخذ والسرقة والاستمداد والاستعانة»
فصل «في حدي الحقيقة والمجاز»
فصل «في المجاز العقلي والمجاز اللغوي والفرق بينهما»