بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
حين أعارتني جامعة القاهرة في العام الدراسي ١٩٦٥-١٩٦٦ لشقيقتها الجامعة الأردنية، حاضرتُ طلاب قسم اللغة العربية بها في تاريخ المدارس النحوية. ولما رجعت إلى المكتبة العربية الحديثة لم أجد فيها كتابا يُغنِي في هذا الموضوع غناء محمودا، وقد مضيت أحاضر الطلاب فيه محاولا -بقدر جهدي- أن أبلغ حاجتهم بترتيب مقدماته وتوفير الأسباب المعينة على صحة نتائجه، حتى استقامت لي هذه الصورة لمدارسنا النحوية على مرّ التاريخ.
ولعل هذه أول مرة تُبحَث فيها المدارس النحوية بحثا جامعا، وهو بحث يرسم في إجمالٍ الجهود الخصبة لكل مدرسة، وكل شخصية نابهة فيها. وكان طبيعيا أن أبدأ بالمدرسة البصرية؛ لأنها هي التي وضعت أصول نحونا وقواعده ومكنت له من هذه الحياة المتصلة التي لا يزال يحياها إلى اليوم، وكل مدرسة سواها فإنما هي فرع لها وثمرة تالية من ثمارها. وقد تقدمت البحث فيها بتصحيح خطأ شاع وذاع قديما وحديثا، وهو ما ينسب إلى أبي الأسود الدؤلي وتلاميذه من وضع بعض مبادئ النحو، وهي إنما بدأت توضع مع الجيل التالي عند ابن أبي إسحاق الحضرمي. وأوضحت الأسباب التي جعلت عقل البصرة أدق وأعمق من عقل الكوفة وأكثر استعدادا لتسجيل ظواهر النحو العربي ووضع قواعده وقوانينه.
وقد ذهبت إلى أن الخليل بن أحمد الفراهيدي هو المؤسس الحقيقي لمدرسة البصرة النحوية ولعلم النحو العربي بمعناه الدقيق، وصورت في تضاعيف ذلك إقامته لصرح النحو بكل ما يتصل به من نظرية العوامل والمعمولات، وبكل ما يسنده من سماع وتعليل وقياس سديد، مع بيان ما امتاز به من علم بأسرار العربية
1 / 5
وتذوق لخصائصها التركيبية. وخلفه على تراثه تلميذه سيبويه الذي تمثل آراءه النحوية تمثلا غريبا رائعا، نافذا منها إلى ما لا يكاد يحصى من الآراء، فإذا هو يسوي من ذلك "الكتاب" آيته الكبرى، وقد بلغ من إعجاب الأسلاف به أن سموه "قرآن النحو" وكأنما أحسوا فيه ضربا من الإعجاز، لا لتسجيله فيه أصول النحو وقواعده تسجيلا تاما فحسب، بل أيضا لأنه لم يكد يترك ظاهرة من ظواهر التعبير العربي إلا أتقنها، فقها وعلما وتحليلا.
وحمل "الكتاب" عن سيبويه تلميذه الأخفش الأوسط، وأقرأه تلاميذ بصريين في مقدمتهم المازني، وتلاميذ كوفيين في مقدمتهم الكسائي، وكان لهِجا بالاعتراض على سيبويه والخليل، مما جعله ينفذ إلى كثير من الآراء، وخاصة أنه كان يفسح للغات الشاذة، هو بذلك يعد الإمام الحقيقي للكسائي وغيره من أئمة المدرسة الكوفية. وكان يعنى بالدفاع عن القراءات المشتملة على بعض الشذوذ والاحتجاج لها بأشعار العرب الفصحاء. وقد بينت في مواطن أخرى أن الفراء إمام المدرسة الكوفية بعد الكسائي، هو أول من تعرض للقراءات الشاذة بالإنكار العنيف، وتابعه في ذلك المازني وتلميذه المبرد آخر أئمة المدرسة البصرية النابهين.
وأخذت أبحث في نشاط المدرسة الكوفية، ولاحظت أنه بدأ متأخرا عند الكسائي، وقد استطاع هو وتلميذه الفراء أن يستحدثا في الكوفة مدرسة نحوية تستقل بطوابع خاصة من حيث الاتساع في الرواية، ومن حيث بسط القياس وقبضه، ومن حيث وضع بعض المصطلحات الجديدة، ومن حيث رسم العوامل والمعمولات. وتوسع الفراء خاصة في تخطئة بعض العرب وإنكار بعض القراءات الشاذة، وكان ينفذ أحيانا إلى أحكام لا تسندها الشواهد والأمثلة، وهو يعد بحق إمام الكوفيين، فثعلب وغير ثعلب إنما كانوا شارحين لآرائه ومفسرين.
ومضيت أبحث في المدرسة البغدادية وكانت قد ترامت عليها ظلال خدع كثيرة، وخاصة أن عَلَمَيها الفذين: أبا علي الفارسي وابن جني، كثيرا ما يَكْنيان عن البصريين في مصنفاتهما باسم "أصحابنا" مما جعل كثرة المعاصرين تظن
1 / 6
أنهما بصريان حقا، وهما إنما يصوران بذلك نزوعهما الشديد تلقاء البصريين، أما بعد ذلك فإنهما ينهجان النهج القويم للمدرسة البغدادية القائم على الانتخاب من آراء المدرستين البصرية والكوفية، مع فتح الأبواب للاجتهاد والخلوص إلى الآراء المبتكرة. وقد تداول هذه المدرسة جيلان: جيل أول كانت تغلب عليه النزعة الكوفية، وهو الذي يدور في كتابات ابن جني باسم البغداديين، من أمثال ابن كيسان، ثم جيل ثانٍ خَلَفَ هذا الجيل كانت تغلب عليه النزعة البصرية على نحو ما يلقانا عند الزجاجي، ثم أبي علي الفارسي، وابن جني مؤصل علم التصريف وواضع قوانينه الكلية.
وانتقلت أبحث في المدرسة الأندلسية، متتبعا نشاطها النحوي طوال العصور المتعاقبة، ولاحظت استظهار نحاتها منذ القرن الخامس الهجري لآراء أئمة النحو السابقين من بصريين وكوفيين وبغداديين، مع الاجتهاد الواسع في الفروع ومع وفرة الاستنباطات وكثرة التعليلات والاحتجاجات. ولا نكاد ننتقل من جيل إلى جيل حتى تلقانا مجموعة من الأئمة، وكل إمام منهم يثير من الخواطر والآراء ما لم يسبقه إليه سابق من النحاة المجلين، حتى لنرى ابن مضاء القرطبي يريد أن يصوغ النحو صياغة جديدة تخلو من نظرية العوامل والمعمولات المذكورة والمقدرة ومن العلل والأقيسة المعقدة. وأكبر أئمتهم -على الإطلاق- ابن مالك، وقد رسمت في إجمالٍ آراءه ومنهجه، وعرضت لخالفيه من نحاة الأندلس وخاصة أبا حيان.
وبحثت أخيرا في المدرسة المصرية، ملاحظا أنها كانت في أول نشأتها شديدة الاقتداء بالمدرسة البصرية، ثم أخذت تمزج -منذ القرن الرابع الهجري- بين آراء البصريين والكوفيين، وضمت سريعا إلى تلك الآراء آراء البغداديين، غير أنها لم تونق ولم تزدهر إلا منذ العصر الأيوبي، وسرعان ما تكامل ازدهارها في العصر المملوكي بما أتاحه لها ابن هشام من مَلَكاَته العقلية النادرة ومن إحاطته بآراء النحاة السالفين له، على اختلاف مدارسهم وأعصارهم وبلدانهم، ومن قدرته البارعة في مناقشة تلك الآراء، مع ما امتاز به من طرافة التحليل والاستنباط
1 / 7
وجمال العَرْض والأداء. وظلت الدراسات النحوية ناشطة بعده في مصر حتى العصر الحديث.
ولم أتابع البحث في الجهود الخصبة التي بُذلت في عصرنا لتجديد النحو وتيسيره؛ لأنه إنما قصد بها إلى غايات تربوية في تعليم الناشئة، وهي حرية بكتاب مستقل. والله أسأل أن يلهمني السداد والإخلاص في الفكر والقول والعمل، وهو حسبي ونعم الوكيل.
القاهرة في أول يناير سنة ١٩٦٨م.
شوقي ضيف
1 / 8
القسم الأول: المدرسة البصرية
الفصل الأول: البصرة واضعة النحو
١- أسباب وضع النحو:
يمكن أن نرد أسباب وضع النحو العربي إلى بواعث مختلفة، منها الديني ومنها غير الديني، أما البواعث الدينية فترجع إلى الحرص الشديد على أداء نصوص الذكر الحكيم أداء فصيحا سليما إلى أبعد حدود السلامة والفصاحة، وخاصة بعد أن أخذ اللحن يشيع على الألسنة، وكان قد أخذ في الظهور منذ حياة الرسول ﷺ، فقد روى بعض الرواة أنه سمع رجلا يلحن في كلامه فقال: "أرشدوا أخاكم؛ فإنه قد ضل" ١، ورووا أن أحد ولاة عمر بن الخطاب كتب إليه كتابا به بعض اللحن، فكتب إليه عمر: "أَنْ قَنِّعْ كاتبك سوطا"٢.
غير أن اللحن في صدر الإسلام كان لا يزال قليلا بل نادرا، وكلما تقدمنا منحدرين مع الزمن اتسع شيوعه على الألسنة، وخاصة بعد تعرب الشعوب المغلوبة التي كانت تحتفظ ألسنتها بكثير من عاداتها اللغوية، مما فسح للتحريف في عربيتهم التي كانوا ينطقون بها، كما فسح اللحن وشيوعه. ونفس نازلة العرب في الأمصار الإسلامية أخذت سلائقهم تضعف لبعدهم عن ينابيع اللغة الفصيحة، حتى عند بلغائهم وخطبائهم المفوهين، ويكفي أن نضرب مثلا لذلك ما يروى عن الحجاج من أنه سأل يحيى بن يعمر هل يلحن في بعض نطقه؟ وسؤاله ذاته يدل على ما استقر في نفسه من أن اللحن أصبح بلاء عاما، وصارحه يحيى بأنه
١ كنز العمال ١/ ١٥١.
٢ الخصائص لابن جني "طبعة دار الكتب المصرية" ٢/ ٨.
1 / 11
يلحن في حرف من القرآن الكريم، إذ كان يقرأ قوله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَحَبَّ﴾ بضم أحبّ، والوجه أن تقرأ بالنصب خبرا لكان لا بالرفع١. وإذا كان الحجاج وهو في الذروة من الخطابة والبيان والفصاحة والبلاغة يلحن في حرف من القرآن، فمَنْ وراءه من العرب نازلة المدن الذين لا يرقون إلى منزلته البيانية كان لحنهم أكثر. وازداد اللحن فشوّا وانتشارا على ألسنة أبنائهم الذين لم ينشئوا في البادية مثلهم ولا تغذوا من ينابيعها الفصيحة، إنما نشئوا في الحاضرة واختلطوا بالأعاجم اختلاطا أدخل الضيم والوهن على ألسنتهم وفصاحتهم على نحو ما هو معروف عن الوليد بن عبد الملك وكثرة ما كان يجري على لسانه من لحن٢. وكان كثيرون من أبناء العرب وُلدوا لأمهات أجنبيات أو أعجميات، فكانوا يتأثرون بهن في نطقهن لبعض الحروف وفي تعبيرهن ببعض الأساليب الأعجمية٣. وكل ذلك جعل الحاجة تمس في وضوح إلى وضع رسوم يعرف بها الصواب من الخطأ في الكلام؛ خشية دخول اللحن وشيوعه في تلاوة آيات الذكر الحكيم.
وانضمت إلى ذلك بواعث أخرى، بعضها قومي عربي، يرجع إلى أن العرب يعتزون بلغتهم اعتزازا شديدا، وهو اعتزاز جعلهم يخشون عليها من الفساد حين امتزجوا بالأعاجم، مما جعلهم يحرصون على رسم أوضاعها؛ خوفا عليها من الفناء والذوبان في اللغات الأعجمية. وبجانب ذلك كانت هناك بواعث اجتماعية ترجع إلى أن الشعوب المستعربة أحست الحاجة الشديدة لمن يرسم لها أوضاع العربية في إعرابها وتصريفها حتى تتمثّلها تمثلا مستقيما، وتتقن النطق بأساليبها نطقا سليما. وكل ذلك معناه أن بواعث متشابكة دفعت دفعا إلى التفكير في وضع النحو، ولا بد أن نضيف إلى ذلك رقيّ العقل العربي ونمو طاقته الذهنية نموا أعده للنهوض برصد الظواهر اللغوية وتسجيل الرسوم النحوية تسجيلا تطّرد فيه القواعد وتنتظم الأقيسة انتظاما يهيئ لنشوء علم النحو ووضع قوانينه الجامعة المشتقة من
١ طبقات النحويين واللغويين للزبيدي "طبعة الخانجي" ص٢٢. وانظر البيان والتبيين "طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر" ٢/ ٢١٨.
٢ البيان والتبيين ٢/ ٢٠٤، وانظر عيون الأخبار لابن قتيبة ٢/ ١٥٨، ١٦٧.
٣ البيان والتبيين ١/ ٧٢، ٢/ ٢١٠.
1 / 12
الاستقصاء الدقيق للعبارات والتراكيب الفصيحة، ومن المعرفة التامة بخواصها وأوضاعها الإعرابية.
٢- صنيع أبي الأسود ١ الدؤلي وتلاميذه:
لما كانت العلوم في الأمم لا تظهر فجأة، بل تأخذ في الظهور رويدا رويدا حتى تستوي على سوقها، كان ذلك مدعاة في كثير من الأمر لأن تغمض نشأة بعض العلوم، وأن يختلط على الناس واضعوها المبكرون. وهذا نفسه ما حدث فيمن نسبت إليهم الخطوات الأولى في وضع النحو العربي، وفي ذلك يقول السيرافي: اختلف الناس في أول من رسم النحو، فقال قائلون: أبو الأسود الدؤلي، وقيل: هو نصر٢ بن عاصم، وقيل: بل هو عبد الرحمن٣ بن هرمز، وأكثر الناس على أنه أبو الأسود الدؤلي٤.
وتضطرب الروايات في وضع أبي الأسود للنحو، فمنها ما يجعل ذلك من عمله وحده، ومنها ما يصعد به إلى علي بن أبي طالب، إذ يروون عن أبي الأسود نفسه أنه دخل عليه وهو بالعراق، فرآه مطرقا مفكرا، فسأله فيم يفكر؟ فقال له: سمعت ببلدكم لحنا، فأردت أن أصنع كتابا في أصول العربية، وأتاه بعد أيام فألقى إليه
١ انظر في ترجمة أبي الأسود المتوفى سنة ٦٩ للهجرة الشعر والشعراء لابن قتيبة "طبع دار المعارف" ص٧٠٧، ومراتب النحويين لأبي الطيب اللغوي "طبع مكتبة نهضة مصر" ص٦، وأخبار النحويين البصريين للسيرافي "طبع بيروت" ص١٣، وطبقات النحويين واللغويين للزبيدي "طبعة الخانجي" ص١٣، وأسد الغابة ٣/ ٦٩، والإصابة ٢/ ٢٣٢، والأغاني "طبع دار الكتب المصرية" ١٢/ ٢٩٧، ونزهة الألباء لابن الأنباري "طبع دار نهضة مصر بتحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم" ص٦، ومعجم الأدباء "طبعة فريد رفاعي" ١٢/ ٣٤، وإنباه الرواة للقفطي "طبعة دار الكتب المصرية" ١/ ١٣ وما به من مراجع.
٢ انظر في ترجمة نصر المتوفى سنة ٨٩ الزبيدي ص٢١، والسيرافي ص٢٠، وابن الأنباري ص١٤، وأبا الطيب اللغوي ص١٣، ومعجم الأدباء ١٩/ ٢٢٤، والقفطي ٣/ ٣٤٣، وما به من مراجع.
٣ راجع في ترجمة ابن هرمز المتوفى بالإسكندرية سنة ١١٧ طبقات ابن سعد ٥/ ٢٠٩، والزبيدي ص١٩، والسيرافي ص٢١، وابن الأنباري ص١٥، وإنباه الرواة للقفطي ٢/ ١٧٢ وما به من مراجع.
٤ السيرافي ص١٣.
1 / 13
صحيفة فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم. الكلام كله اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل" ثم قال له: "اعلم أن الأشياء ثلاثة: ظاهر، ومضمر، وشيء ليس بظاهر ولا مضمر، وإنما يتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بمضمر ولا ظاهر". وتمضي هذه الرواية فتذكر أن أبا الأسود جمع لعلي أشياء وعرضها عليه، كان منها حروف النصب: إن وأن وليت ولعل وكأن، ولم يذكر أبو الأسود: لكن، فقال له علي: لم تركتها؟ فقال: لم أحسبها منها، فقال: بل هي منها، فزدها فيها١. ولهذه الرواية صور أخرى٢ تلتقي بها. ويقول القفطي المتوفى سنة ٦٤٦ للهجرة: "رأيت بمصر في زمن الطلب بأيدي الورّاقين جزءا فيه أبواب من النحو يُجمعون على أنها مقدمة علي بن أبي طالب التي أخذها عنه أبو الأسود الدؤلي"٣. فالمسألة لم تقف عند سطور أو بعض أبواب نحوية تذكر مجملة، بل اتسعت لتصبح مقدمة أو رسالة صنّفها علي بن أبي طالب، وكأنه لم يكن مشغولا حين ذهب إلى العراق والكوفة بإعداد الجيوش لحرب معاوية، ولا كان مشغولا بحروب الخوارج، إنما كان مشغولا بالنحو ووضع رسومه وأصوله وفصوله. وطبائع الأشياء تنفي أن يكون قد وضع ذلك، ونفس الرواية السالفة وما أشبهها من الروايات تحمل في تضاعيفها ما يقطع بانتحالها لما يجري فيها من تعريفات وتقسيمات منطقية لا يعقل أن تصدر عن علي بن أبي طالب أو عن أحد من معاصريه، ولعل الشيعة هم الذين نحلوه هذا الوضع القديم للنحو الذي لا يتفق في شيء وأولية هذا العلم ونشأته الأولى.
وقد تقف الروايات في الواضع الأول للنحو عند أبي الأسود، غير أنها تعود فتضطرب في السبب الذي جعله يرسمه وفي حاكم البصرة موطنه الذي بعثه على هذا الرسم والأبواب الأولى التي رسمها فيه. فمن قائل: إنه سمع قارئا يقرأ الآية الكريمة:
١ القفطي ١/ ٤.
٢ انظر ترجمة أبي الأسود في ابن الأنباري ص٦ وما بعدها، ومعجم الأدباء لياقوت ١٤/ ٤٩. وعند ابن الأنباري أن أبا الأسود كان كلما وضع بابا من أبواب النحو، عرضه على إمامه علي بن أبي طالب.
٣ القفطي ١/ ٥.
1 / 14
﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ بكسر اللام في رسوله، فقال: ما ظننت أمر الناس يصل إلى هذا واستأذن زياد بن أبيه والي البصرة "٤٥-٥٣هـ"، وقيل: بل استأذن ابنه عبيد الله واليها من بعده "٥٥-٦٤هـ" في أن يضع للناس رسم العربية. وقيل: بل وفد على زياد، فقال له: إني أرى العرب قد خالطت الأعاجم وتغيرت ألسنتهم، أفتأذن لي أن أضع للعرب كلاما يعرفون -أو يقيمون- به كلامهم. وقيل: بل إن رجلا لحن أمام زياد أو أمام ابنه عبيد الله، فطلب زياد أو ابنه منه أن يرسم للناس العربية. وقيل: إنه رسمها حين سمع ابنته تقول: ما أحسنُ السماء وهي لا تريد الاستفهام وإنما تريد التعجب، فقال لها قولي: "ما أحسنَ السماءَ". وفي رواية أنه شكا فساد لسانها لابن أبي طالب، فوضع له بعض أبواب النحو وقال له: انحُ هذا النحو، ومن أجل ذلك سمي العلم باسم النحو. ويقول بعض الرواة: إنه وضع أبواب التعجب والفاعل والمفعول به وغير ذلك من الأبواب، ويقول آخرون: إنه وضع أبواب التعجب والاستفهام والعطف والنعت وإن وأخواتها. وقد يكون ذلك من صنع الشيعة، وكأنهم رأوا أن يضيفوا النحو إلى شيعي قديم، فارتفع به بعضهم إلى علي بن أبي طالب، ووقف به آخرون عند أبي الأسود صاحبه الذي كان يتشيع له، ويظهر أن نحلهم إياه وضع النحو قديم، إذ نجد ابن النديم يقول: إنه رأى عند بعض الوراقين أربعة أوراق عن أبي الأسود كتبها يحيى١ بن يعمر المتوفى سنة ١٢٩ للهجرة وفيها كلام في الفاعل والمفعول٢. وأقدم من ذلك ما جاء عند ابن سلام إذ يقول: "كان أول من أسس العربية وفتح بابها وأنهج سبيلها ووضع قياسها أبو الأسود الدؤلي، وإنما قال ذلك حين اضطرب لسان العرب وغلبت السليقة وكان سراة الناس يلحنون، فوضع باب الفاعل والمفعول والمضاف وحروف الجر والرفع والنصب والجزم"٣. وقد يُشرك بعض الرواة معه في هذا الصنيع تلميذيه نصر بن عاصم
١ انظر في ترجمة ابن يعمر أبا الطيب اللغوي ص٢٥، والزبيدي ص٢٢، وابن الأنباري ص١٦، والسيرافي ص٢٢، والبيان والتبيين ١/ ٣٧٧، ومعجم الأدباء ٢٠/ ٤٢، وبغية الوعاة للسيوطي "طبع مطبعة السعادة" ص٤١٧.
٢ الفهرست لابن النديم "النشرة الثانية للمكتبة التجارية" ص٦٦.
٣ طبقات فحول الشعراء لابن سلام "طبع دار المعارف" ص١٢.
1 / 15
وابن هرمز، إذ يقول الزبيدي: "أول من أصّل النحو وأعمل فكره فيه أبو الأسود ظالم بن عمرو الدولي ونصر بن عاصم وعبد الرحمن بن هرمز، فوضعوا للنحو أبوابا وأصلوا له أصولا، فذكروا عوامل الرفع والنصب والخفض والجزم، ووضعوا باب الفاعل والمفعول والتعجب والمضاف"١.
وكل ذلك من عبث الرواة الوضاعين المتزيدين، وهو عبث جاء من أن أبا الأسود نسب إليه حقا أنه وضع العربية، فظن بعض الرواة أنه وضع النحو، وهو إنما وضع أول نقط يحرر حركات أواخر الكلمات في القرآن الكريم بأمر من زياد بن أبيه أو ابنه عبيد الله، وقد اتخذ لذلك كاتبا فطنا حاذقا من بني عبد القيس، وقال له: إذا رأيتني قد فتحت شفتي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه، وإن ضممت شفتي فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت شفتي فاجعل النقطة من تحت الحرف، فإن أتبعت شيئا من ذلك غنة "تنوينا" فاجعل مكان النقطة نقطتين. وابتدأ أبو الأسود المصحف حتى أتى على آخره، بينما كان الكاتب يضع النقط بصبغ يخالف لونه لون المداد الذي كتبت به الآيات٢.
وكان هذا الصنيع الخطير الذي سمي باسم رسم العربية سببا في أن يختلط الأمر فيما بعد على الرواة، فتظن طائفة منهم أن أبا الأسود رسم النحو وشيئا من أبوابه، وهو إنما رسم إعراب القرآن الكريم عن طريق نقط أواخر الكلمات فيه.
وحمل هذا الصنيع عن أبي الأسود تلاميذه من قراء الذكر الحكيم، وفي مقدمتهم نصر بن عاصم وعبد الرحمن بن هرمز ويحيى ين يعمر وعنبسة٣ الفيل وميمون٤ الأقرن، فكل هؤلاء "نقطوا المصحف وأُخذ عنهم النقط وحُفظ وضُبط وقُيِّد وعُمل به واتُّبع فيه سنتهم واقتُدي فيه بمذاهبهم"٥ وأضافوا إلى ذلك عملا جليلا هو اتخاذ نقط جديد للحروف المعجمة في المصاحف تمييزا لها
١ الزبيدي ص٢.
٢ راجع كتاب المحكم في نقط المصاحف للداني "طبع دمشق" ص٣ وما بعدها، والقفطي ١/ ٥.
٣ انظر في ترجمة عنبسة أبا الطيب اللغوي ص١١، والزبيدي ص٢٤، والسيرافي ص٢٣، وابن الأنباري ص١٢، ومعجم الأدباء ١٦/ ١٣٣، وإنباه الرواة ٢/ ٣٨١، وبغية الوعاة ص٣٦٨.
٤ راجع في ترجمة ميمون أبا الطيب اللغوي ص١١، والزبيدي ص٢٤، والسيرافي ص٢٢، ومعجم الأدباء ١٩/ ٢٠٩، وإنباه الرواة ٣/ ٣٣٧، وبغية الوعاة ص٤٠١.
٥ المحكم في نقط المصاحف ص٦.
1 / 16