الفِطَر، وانقادت له العقول؛ فقال: ﴿اَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اُلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٣].
فتأمل هذا الكلام وعجيبَ موقعه في قطع الخصوم، وإحاطته بكل ما وجب في العقل أن يردَّ به ما دعوه إليه وأرادوا حمْله عليه، وأخذه بمجامع الحُجة التي لم تُبقِ لطاعنٍ مطعنًا ولا سؤالًا. ولمَّا كانت بهذه المثابة أشاد (^١) سبحانه بذكرها، وعظَّمها بالإشارة إليها، وأضافها إلى نفسه تعظيمًا لشأنها؛ فقال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَن نَّشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٤] [ق ٢٨ ب]، فعلم السامع بإضافته إيَّاها إلى نفسه أنه هو الذي فهَّمها خليلَه ولقَّاه (^٢) إيَّاها، وعنه سبحانه أخذها الخليل. وكفى بحُجةٍ يكون الله ﷿ ملقِّيها (^٣) لخليله وحبيبه أن تكون قاطعةً لمواد العِناد، قامعةً لأهل الشرك والإلحاد.
وشبيهٌ (^٤) بهذا الاحتجاج القصة الثانية (^٥) لإبراهيم في محاجة المشرك الذي أخبر الله سبحانه عمَّا جرى بينه وبينه في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اُللَّهُ اُلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ اَلَّذِي يُحْيِ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِ وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اَللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ اَلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ اَلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ اَلَّذِي كَفَرَ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِي اِلْقَوْمَ اَلظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، فإن
(^١) في النسختين: «أشار». وهو تصحيف ما أثبت.
(^٢) «ح»: «ولقاها».
(^٣) «ب»: «ملقنها».
(^٤) «وشبيه» سقط من «ح».
(^٥) «ح»: «الثابتة».
1 / 249
الفصل الأول: في معرفة حقيقة التأويل ومسماه لغة واصطلاحا
الفصل الثالث: في أن التأويل إخبار عن مراد المتكلم لا إنشاء
الفصل الخامس: في الفرق بين تأويل التحريف وتأويل التفسير وأن الأول ممتنع وقوعه في الخبر والطلب والثاني يقع فيهما
الفصل السادس: في تعجيز المتأولين عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويله من آيات الصفات وأحاديثها وما لا يسوغ
الفصل السابع: في إلزامهم في المعنى الذي جعلوه تأويلا نظير ما فروا منه
الفصل الثامن: في بيان خطئهم في فهمهم من النصوص المعاني الباطلة التي تأولوها لأجلها فجمعوا بين التشبيه والتعطيل
الفصل الثاني عشر: في بيان أنه مع كمال علم المتكلم وفصاحته وبيانه ونصحه يمتنع عليه أن يريد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته وعدم البيان في أهم الأمور وما تشتد الحاجة إلى بيانه
الفصل الثالث عشر: في بيان أن تيسير القرآن للذكر ينافي حمله على التأويل المخالف لحقيقته وظاهره
الفصل الرابع عشر: في أن التأويل يعود على المقصود من وضع اللغات بالإبطال
الفصل السادس عشر: في بيان ما يقبل التأويل من الكلام وما لا يقبله