وقد احتجَّ السلف على إثبات العينينِ له سبحانه بقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]. وممَّن صرَّح بذلك إثباتًا واستدلالًا أبو الحسن الأشعري في كُتبه كلِّها، فقال في «المقالات» و«الموجز» و«الإبانة» وهذا لفظه فيها: «وجملة قولنا: أن نُقِر بالله وملائكته وكتبه ورُسله (^١) ...». إلى أن قال: «وأن الله مستوي على عرشه، كما قال: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٤] وأن له وجهًا، كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اُلْجَلَالِ وَاَلْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٥]، وأن له يدينِ، كما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٦]، وقال (^٢): ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٤]، وأن له عينين بلا كيفٍ، كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]» (^٣).
فهذا الأشعري والناس قبله وبعده [ق ١٠ أ] ومعه لم يفهموا من الأعين أعينًا كثيرةً على وجهٍ، ولم يفهموا من الأيدي أيديًا كثيرةً على شِقٍّ واحدٍ، حتى جاء هذا الجهمي فعضَهَ القرآن، وادَّعى أن هذا ظاهره، وإنما قصد هذا وأمثاله التشنيعَ على مَن بدَّعه وضلَّله من أهل السُّنَّة والحديث. وهذا شأن الجهمية في القديم والحديث، وهُم بهذا الصنيع على الله ورسوله وكتابه يشنِّعون ﴿وَقُلِ اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اَللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَاَلْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ اِلْغَيْبِ وَاَلشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٦].
فما ذنبُ أهل السُّنَّة والحديث إذا نطقوا بما نطقت به النصوص، وأمسكوا عمَّا أمسكتْ عنه، ووصفوا الله بما وصف به نفسَه ووصفه رسولُه،
(^١) «ح»: «ورسوله».
(^٢) «قال» ليس في «ح».
(^٣) «الإبانة» (ص ٢١ - ٢١) بتصرف.
1 / 87
الفصل الأول: في معرفة حقيقة التأويل ومسماه لغة واصطلاحا
الفصل الثالث: في أن التأويل إخبار عن مراد المتكلم لا إنشاء
الفصل الخامس: في الفرق بين تأويل التحريف وتأويل التفسير وأن الأول ممتنع وقوعه في الخبر والطلب والثاني يقع فيهما
الفصل السادس: في تعجيز المتأولين عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويله من آيات الصفات وأحاديثها وما لا يسوغ
الفصل السابع: في إلزامهم في المعنى الذي جعلوه تأويلا نظير ما فروا منه
الفصل الثامن: في بيان خطئهم في فهمهم من النصوص المعاني الباطلة التي تأولوها لأجلها فجمعوا بين التشبيه والتعطيل
الفصل الثاني عشر: في بيان أنه مع كمال علم المتكلم وفصاحته وبيانه ونصحه يمتنع عليه أن يريد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته وعدم البيان في أهم الأمور وما تشتد الحاجة إلى بيانه
الفصل الثالث عشر: في بيان أن تيسير القرآن للذكر ينافي حمله على التأويل المخالف لحقيقته وظاهره
الفصل الرابع عشر: في أن التأويل يعود على المقصود من وضع اللغات بالإبطال
الفصل السادس عشر: في بيان ما يقبل التأويل من الكلام وما لا يقبله