ولا يقال: هي ألفاظ لا تُعقَل معانيها ولا يُعرف المرادُ منها، فيكون ذلك مشابَهةً للذين لا يعلمون الكتاب إلَّا أمانيَّ. بل هي آياتٌ بيناتٌ دالةٌ على أشرف المعاني وأجلِّها، قائمة حقائقها في صدور الذين أُوتوا العلم والإيمان إثباتًا بلا تشبيهٍ، وتنزيهًا بلا تعطيلٍ، كما قامت حقائق سائر صفات الكمال في قلوبهم كذلك.
فكان الباب عندهم بابًا واحدًا، قد اطمأنت به قلوبهم، وسكنت إليه نفوسهم، فآنَسُوا من صفات كماله ونعوت جلاله بما استوحش منه الجاهلون المعطِّلون، وسكنت قلوبهم إلى ما نفر منه الجاحدون. وعلموا أن الصِّفات حُكمها حكمُ الذات، فكما أن ذاته سبحانه لا تُشبِه الذوات فصفاتُه لا تشبه الصِّفات. فما جاءهم من الصِّفات عن المعصوم تلقَّوْه بالقبول، وقابلوه بالمعرفة والإيمان والإقرار لعلمهم بأنه صفةُ مَن لا شبيهَ (^١) لذاته ولا لصفاته.
قال الإمام أحمد: «إنما التشبيه أنِّي أقول (^٢): يدٌ كَيَدٍ، أو وجهٌ كوجهٍ» (^٣).
فأمَّا إثبات يدٍ ليست كالأيدي، ووجهٍ ليس كالوجوه، فهو كإثبات ذات ليست كالذوات، وحياةٍ ليست كغيرها من الحياة، وسمعٍ وبصرٍ ليس كالأسماع والأبصار.
(^١) «ح»: «يشبه».
(^٢) «ب»: «أن تقول».
(^٣) أخرجه ابن بطة في «الإبانة الكبرى» (٧/ ٣٢٦) ... من رواية حنبل بن إسحاق عن الإمام أحمد، ونقله القاضي أبو يعلى في «إبطال التأويلات» (١/ ٤٣).
1 / 65
الفصل الأول: في معرفة حقيقة التأويل ومسماه لغة واصطلاحا
الفصل الثالث: في أن التأويل إخبار عن مراد المتكلم لا إنشاء
الفصل الخامس: في الفرق بين تأويل التحريف وتأويل التفسير وأن الأول ممتنع وقوعه في الخبر والطلب والثاني يقع فيهما
الفصل السادس: في تعجيز المتأولين عن تحقيق الفرق بين ما يسوغ تأويله من آيات الصفات وأحاديثها وما لا يسوغ
الفصل السابع: في إلزامهم في المعنى الذي جعلوه تأويلا نظير ما فروا منه
الفصل الثامن: في بيان خطئهم في فهمهم من النصوص المعاني الباطلة التي تأولوها لأجلها فجمعوا بين التشبيه والتعطيل
الفصل الثاني عشر: في بيان أنه مع كمال علم المتكلم وفصاحته وبيانه ونصحه يمتنع عليه أن يريد بكلامه خلاف ظاهره وحقيقته وعدم البيان في أهم الأمور وما تشتد الحاجة إلى بيانه
الفصل الثالث عشر: في بيان أن تيسير القرآن للذكر ينافي حمله على التأويل المخالف لحقيقته وظاهره
الفصل الرابع عشر: في أن التأويل يعود على المقصود من وضع اللغات بالإبطال
الفصل السادس عشر: في بيان ما يقبل التأويل من الكلام وما لا يقبله