الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم

Редактор

عمر عبد السلام تدمري

Издатель

المكتبة العصرية

Издание

الأولى

Год публикации

٢٠١٤ م - ١٤٣٥ هـ

Место издания

بيروت - لبنان

بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
وبه أستعين
كلمة المحقق
إن الحمد للَّه الخالق البارئ المصوّر ﷻ.
والصلاة والسلام على المصطَفَى محمد خاتم أنبيائه ورُسُله.
وعلى آله الطاهرين، وصَحبه الأخيار المبجَّلين.
وبعد،
فتعود صلتي بهذا الكتاب إلى أوائل السبعينيّات من القرن الماضي حين كنت أتردّد يوميًّا على "دار الكتب المصرية" عندما كانت في حيّ "باب الخلق" بالقاهرة، وأطالع وأنسخ ما في "مركز تحقيق التراث" التابع لها من مخطوطات، قبل انتقال الدار والمركز إلى شارع "كورنيش النيل" في الموقع الحالي. وكان هذا الكتاب "المخطوط" بين المصادر التي اعتمدت عليها في تأليف كتابي "تاريخ وآثار مساجد ومدارس طرابلس في عصر المماليك" عام ١٩٧٣، ثم كان بين المصادر المخطوطة التي اعتمدتها في إعداد أُطروحتي بعنوان "طرابلس الشام ونضالها في سبيل العروبة والإسلام" (من الفتح الإسلامي حتى سقوط دولة المماليك) ونلت عليها درجة "الدكتوراه" بمرتبة الشرف الأولى، عام ١٩٧٦ من قسم التاريخ والحضارة بجامعة الأزهر.
ومنذ ذلك التاريخ كنت أتصفّح هذا المخطوط وأقلّب أوراقه، وأحلُم بأن أراه منشورًا محققًا، لِما يحتويه من معلومات نادرة وأخبار طريفة ومهمّة لم يذكرها غيره، وصاحبه كان شاهد عيان على عصره، ورحّالة طوّف البلاد ما بين آسية الصغرى (تركيا) والأندلس، وتنقّل للتجارة بين بلاد الشام ومصر وليبيا وتونس والجزائر، وأبحر بين الإسكندرية ورودس وتونس، وعبر العدوة بين المغرب والأندلس إلى غَرناطة، فأرّخ ووصف الأماكن والبلدان، والتقى بالسلاطين والوزراء والأمراء والأعيان والعلماء والأدباء، ومارس التجارة والأسفار، والتعليم والتدريس والتأليف والتصوّف، وامتهن الطبابة فبرع، وكان مؤرّخًا عملاقًا موسوعيًّا بكل معنى الكلمة، منافسًا لابن تغري بردي، صديقًا للسخاوي يتبادل وإيّاه الفوائد، أستاذًا

1 / 5

لابن آياس الذي استفاد من مصنّفاته وأفرغ غالب مادّتها في كتابه "بدائع الزهور".
وكان أشدّ ما يحفزني لتحقيق هذا المخطوط، ونفْض غبار الزمان والنسيان عنه، ونشره كون صاحبه "عبد الباسط" أقام في بلدي "طرابلس الشام" أكثر من خمس سنين، ونَهَل علومه الأولى في جامعها "المنصوري الكبير" القريب من سكني، والذي أصلّي فيه أغلب الجُمَع والأعياد. بل إن أباه المؤرّخ "خليل بن شاهين" أقام بها وبنى دارًا وزاوية وتُربة دُفن فيها نزيلًا على اثنين من أولاده، ﵏.
وكنت - ولا أزال - أعجب وأستغرب لقلّة قرّاء هذا المخطوط، إذ لم أر أحدًا يعتمده في قائمة مصادره، سواء في الكتب المحقَّقة، أو المؤلَّفة عن عصر المماليك إلّا ما ندر. ولكنّ اضطراب المخطوط والتقديم والتأخير في ترقيم المجلَّد الأول، ورداءة المجلّد الثاني بكامله تقريبًا، وصعوبة قراءة أغلب أوراقه لعدم وضوح كتابتها ومَسْحها تمامًا، فضلًا عن الحواشي الكثيرة على جوانب الصفحات وضياع بعضها مع تآكل أطراف الأوراق … كان يصرفني عن تحقيقه، تمامًا كما سبق وحصل لي مع مخطوط "المقتفي على كتاب الروضتين" للبرزالي، وهو مطموس ورديء جدًّا، وأعانني الله سبحانه على تحقيقه.
وأعتقد أن سوء نسخة "الروض الباسم"، وعدم وجود نسخة أخرى منه تساعد على المقارنة والمقابلة، وقراءة ما غمض من كلمات، وتعوّض الضائع والناقص والممسوح والمطموس، وغيره، هو السبب الذي جعل الباحثين والمحقّقين ينصرفون عن تحقيقه، نذكر منهم الدكتور "محمد محمد عامر" الذي كتب بحثًا عن مخطوط "الروض الباسم" في حوليّة كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، سنة ٧٧ - ١٩٧٨ وتمنّى أن يقوم بتحقيقه بمشاركةٍ من زميله الدكتور "طاهر راغب". وها قد مرّ على الأُمنية أكثر من ثلاثين عامًا، ولما يُبصر عملهما النور!!
ولما كنت قد وُفّقت بعون الله تعالى بتحقيق مخطوط "نَيل الأمل في ذيل الدول"، ومخطوط "المجمع المُفَنَّن بالمعجم المُعَنْوَن" للمؤلّف "عبد الباسط بن خليل"، وجدت أنه لا ينبغي بقاء هذا السفْر النفيس دون عناية لا يعرفه إلّا القليل القليل من المهتمّين وعشّاق التراث.
لذلك عقدت العزم، وبادرت، بعد الإتكال على الله سبحانه والاستعانة به، إلى نسْخ المخطوط والبدء بتحقيقه في صباح يوم الأحد ٢٤ ذي القعدة ١٤٣١ هـ/ الموافق ٣١ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١٠ م.

1 / 6

وكتبت هذه الكلمة بعد عصر يوم الثلاثاء ١٩ من شهر رجب الخير ١٤٣٢ هـ / ٢١ حزيران (يونيه) ٢٠١١ م.
فلله المنّة، وله الحمد في الأولى والآخرة.
طالب العلم وخادمه
أبو غازي
عمر عبد السلام تدمري
طرابلس الشام المحروسة - هاتف وفاكس المنزل
٠٠٩٦١٦٦٢٩٤٣٦

1 / 7

المؤلّف وسيرته (^١)
وُلد المؤلّف بمدينة ملطية في ليلة الأحد حادي عشر رجب من سنة ٨٤٤ هـ. حين كان أبوه نائبها.
أمّه أمّ ولد سَريّة، اسمها "شُكْرباي"، تزوّج بها والده بعد عتْقها، وكانت - حسب قوله - من خيار نساء عصرنا دينًا وخيرًا - ماتت بدمشق في نفاسها سنة ٨٥٢، ومات ولدها الذي وَضَعَتْه بعدها بأيام (^٢)، وعُمُر المؤلّف ٨ سنين.
وكان له أخ من أبيه يدُعى "يوسف بن خليل"، مات في سنة ٨٤٨ هـ. وهو صغير حيث وُلد في سنة ٨٤٣ هـ، وأمّه أمّ ولد أرضعته معه، وكان المؤلّف يحبّها، ولهذا كانت أكثر إقامتها عنده لمحبّته لها، ولتقديره لمقامها، إذ كانت عنده بمقام والدته، وهي عتيقة والده، وكانت خيّرة ديّنة، كثيرة الصيام والقيام وكثيرة الذِّكر والأوراد، وهي ممن تنتمي لوالدته وبينهما محبّة أكيدة (^٣). (انظر مشجّرة الأسرة).
في طرابلس الشام:
وفي شهر جمادى الأولى سنة ٨٥٩ هـ. انتقل مع أبيه إلى طرابلس، حيث أُعطي أبوه إمرة عشرين بها، وتفرّغ للتأليف والتدريس والمطالعة، وفي أول نزولهما طرابلس نزل والده في دار عيسى التاجر الطرابلسي، أحد التجار المياسير بها، وبقي بها مدّة (^٤). ثم قام بعمارة أمكنة فوق الجبل المُطِلّ على محلّة العُوَيراتية بأطراف المدينة (^٥)، وسكن في دار تحت الجبل المذكور بالقرب من دار معبّر

(^١) ستأتي ترجمة جدّه وأبيه "خليل بن شاهين" في تراجم المتوفين سنة ٨٧٣ هـ. في الجزء الرابع من الكتاب.
(^٢) الروض الباسم ١/ ورقة ١٣ أ.
(^٣) الروض الباسم ١/ ورقة ٣١ أ.
(^٤) الروض الباسم ٣/ ورقة ١٠٥ أ.
(^٥) محلة العُويراتية، هي المحلّة التي فيها حاليًّا مقابر المسلمين بطرابلس المعروفة بجبّانة باب الرمل، إلى الجنوب من المدينة، ويحدّها شرقًا الجبل المُطِلّ عليها ويُعرف الآن بأبي سمراء، ومن الغرب جامع الأمير سيف الدين طينال الأشرفي الحاجب. وهي من أقدم محلّات طرابلس المملوكية، يُرجّح أن نسبتها إلى "العُويراتية" أو "الأويراتية" وهم قوم من المغول فرّوا من قائدهم غازان إلى دولة المماليك في سنة ٦٩٥ هـ/ ١٢٩٦ م. فأنزلهم السلطان العادل كتبُغا على =

1 / 8

الأحلام محمد بن محمد بن سليمان الأوزاعي الدمشقي، المعروف بالبابا (^١).
وكان والد المؤلّف "خليل" على علاقة طيبة مع الأمير سيف الدين حاج إينال اليشبُكي (^٢)، وبينهما صحبة ومحبّة أكيدة، وكان النائب يحبّه جدًّا ويعظّمه (^٣)، وهو الذي سعى بتولية "شاذ بك الصارمي" في إمرة عشرين وحجوبية حجّاب طرابلس (^٤). وكان كثير التودّد إليه أثناء إقامته بطرابلس. كما كانت لوالده صحبة ومحبّة أكيدة مع "تمراز الإينالي الأشرفي" أمير طبلخاناه بطرابلس (^٥). وعندما تولّى نيابة السلطنة الأمير "إياس المحمدي الناصري الطويل" في سنة ٨٦٣ هـ (^٦). نشأت صداقة بينه وبين "خليل" والد المؤلّف، فكان يجتمع به ويتحاور معه في بعض

= الساحل بين عتليت وقاقول، في فلسطين. ويظهر أن جماعة منهم وصلوا إلى طرابلس وأقاموا في المكان الذي نُسِب إليهم. (نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري ٣١/ ٢٩٩، نزهة الناظر لليوسفي ص ١٦٩ بالحاشية) وقد ظلّت المحلّة تحمل اسمهم وتُعرف بالعُويراتية حتى العصر العثماني، انظر: دفتر مالية لواء طرابلس، رقم ١٠١٧ من محفوظات أرشيف الوثائق العثمانية برئاسة الوزارة التركية، استانبول (المحلة رقم ٢٢) وكان يسكنها بين سنتي ٩٢٦ - ٩٤٣ هـ/ ١٥٢٠ - ١٥٣٧ م، (١٨ أسرة) كلهم من المسلمين. وورد ذِكرها في: دفتر مفصَّل لواء طرابلس رقم ٣٧٣، المحلّة ذاتها رقم ٢٢، وكان يسكنها قبل سنة ٩٦٢ هـ/ ١٥٥٥ م. (٢٨ أسرة) كلّهم من المسلمين. وذُكرت أيضًا في: دفتر إحصاء لواء طرابلس، رقم ٥١٣ لسنة ٩٧٩ هـ. المحلّة رقم ١٣ وقد انخفض سكانها إلى ١٣ أسرة. وهي مذكورة أيضًا في سجلّات المحكمة الشرعية بطرابلس. انظر: السجلّ رقم ٣ - لسنة ١٠٨٨ هـ ص ١١٢ وفيه: "محلّة العويراتية ظاهر طرابلس"، وسجلّ ٤٨ ص ١٧٣ (١٢٣٠ هـ)، وسجلّ ٤٢ ص ٦٨ وفيه: "حارة العويراتية ظاهر المحمية في جبانة باب الرمل"، وسجل ٤٣ ص ٣٩ لسنة (١٢٣٣ هـ). وبقي اسم المحلّة معروفًا حتى سنة ١٢٥٣ هـ. على الأقل حيث، ورد ذكرها في السجل ٥٥ ص ١٥٦.
ويُنسب إليها: "أوَيس بن العُوَيراتي الطرابلسي" حاجب الحجّاب بها، وهو من أعيان أهلها. وكان موجودًا سنة ٨٩٢ هـ.
قال المؤلّف: "عبد الباسط": والعويراتي غلط عن الأويراتي. نسبة إلى الأوراتية، طائفة معروفة. (المجمع المفنَّن، ورقة ٣٧٥، رقم ٨٣٥).
(^١) الروض الباسم ٣/ ورقة ١٠٦ أ.
(^٢) تولّى نيابة السلطنة بطرابلس في عهد السلطان الأشرف إينال، بين ٨٥٩ - ٨٦٣ هـ. وهو توفي سنة ٨٦٦ هـ. انظر: تاريخ طرابلس ٢/ ٥١، رقم ١٢٠؛ والمجمع المفنّن، ورقة ٣٩٦، رقم ٨٨٧.
(^٣) الروض الباسم ٢/ ورقة ٤٣ أ.
(^٤) الروض الباسم ٢/ ورقة ٦٩ أ.
(^٥) الروض الباسم ٣/ ورقة ١٣٨ أ، المجمع المفنّن، رقم (١٠٨٠).
(^٦) تولّى النيابة بطرابلس من سنة ٨٦٣ حتى سنة ٨٦٦ هـ. (تاريخ طرابلس ٢/ ٥١، رقم ١٢١)، المجمع المفنّن، رقم (٨٤٥).

1 / 9

الأمور (^١). وقد أقام المؤلّف مع أبيه بطرابلس نيّفًا وخمسة أعوام، تلقّى العلوم في أثنائها على الشيوخ الطرابلسيّين، وعلى من كان ينزل بها من شيوخ دمشق وغيرها، فضلًا عمّا يأخذه ويسمعه من والده، وممّا سمعه منه، عن شيخ أبيه أحمد بن محمد بن عبد الله بن سعد بن مصلح بن أبي بكر القيسي القدسي، الديريّ (المتوفّى ٨٦٧ هـ). الأبيات التالية:
هي الدنيا الدنيّة فاحذروها … فليس لها على أحدٍ ثبات
وبأوّلها وأوسطها انقلاب … على كدرٍ وآخرها شتات
وغايتها المما (…) بهذا … إذا لم يكن إلّا الممات
ولكن (بعدها) أشياء تذهل … لغدٍ عن البنين الأُمّهات
فويل عند ذلك أي؟ … لعاصٍ أو بغتة السيئات
ويا فوز العبد بالحشر … عن النار المسعرة النجاة (^٢)
ومن شيوخه بطرابلس عالمها وخطيبها ومدرّسها تاج الدين عبد الوهاب بن محمد بن زُهرة الحِبْراصيّ (^٣) الأصل، الطرابُلُسيّ، وكان وُلد بها سنة ٨٠٦ هـ، ونشأ فيها، وأقام متصدّرًا للتدريس في جامعها المنصوريّ الكبير، والإفتاء، والخطابة، ذكره المؤلّف ﵀ في كتابه هذا "الروض الباسم" فقال: "الشيخ تاج الدين عبد الوهاب بن زُهرة، فقيه طرابلس الآن ومفتيها وخطيبها وابن خطيبها، وهو ممن أخذت عنه بل وقرأت عليه، وحضرت دروسه بجامع طرابلس، وكان بها في سنة ٨٦٢ وما بعدها إلى أن خرجنا منها في سنة ٨٦٥ أو قبلها بيسير" (^٤).
ومن شيوخه بطرابلس أيضًا: محمد بن محمد بن سليمان الأوزاعي، الدمشقي، الصالحي، الطرابلسي، المعروف بالبابا. قال المؤلّف: "وكنت قد لازمته كثيرًا في الفقه والتعبير، وأخذت عنه الكثير وانتفعت به فيها" (^٥).
وسمع بها من الأديب "أحمد بن العطّار المصياتي الأصل، الطرابلسي الشافعي" أحد أعيانها، وكان يملك قاعة وملْكًا حسنًا بطرابلس، ويسكن القاعة

(^١) الروض الباسم ٢/ ورقة ٣٣ ب.
(^٢) الروض الباسم ٢/ ورقة ٦٨ ب.
(^٣) الحِبْراصي: نسة إلى حِبراص، بكسر الحاء المهملة، وآخره صاد مهملة أيضًا. بلد بحوران من الشام.
(^٤) الروض الباسم ١/ ورقة ٩٧ أ.
(^٥) الروض الباسم ٣/ ورقة ٣٩، ٤٤.

1 / 10

بجوار مسجد الخشب (^١)، ويتكلّم في ديوان الإنشاء بالمدينة، وكتب إجازة لوالده نثرًا وفيها نظم، فسمع "عبد الباسط" من نظمه ونثره كثيرًا، من سنة ٨٦١ - ٨٦٥ هـ، وكان جارًا لهم بطرابلس، وقد اجتاز أخوه الأكبر منه "أبو الفضل محمد بن خليل" ببابه مرة فكتب على حائط داره شيئًا، فلما رأى الكتابة كتب تحتها:
لَعَمْري لقد أبدى ذكاءً وفطنةً … بحُسنٍ وإحسانٍ ووجهٍ جميل
فلا عَجَبًا أن يُشبه الليث شِبلُهُ … فكيف ومن نجْل الأمير "خليل" (^٢)
وفي أثناء إقامته بطرابلس مع أبيه دخلها المحدّث، التاجر، أبو إسحاق، إبراهيم بن عبد الوهاب بن عبد السلام بن عبد القادر البغدادي، القاهري، الحنبلي، وأقرأ فيها، فسمعه بها (^٣).
وسمع شيئًا من "الصحيحين" وغيرهما على قاضي طرابلس "أبي بكر بن محمد بن محمد بن أيوب البعلبكي، الطرابلسي الحنبلي" (^٤).
وسمع الأديب "تغري بردي بن الطرابلسي الحنفي"، وكان يكتب لوالده وهو مقيم بطرابلس عدّة كتابات، ويمدحه من شعره في سنة ٨٦٤ هـ. فجعل في أوائل كل بيت حرفًا من حروف اسمه "تغري بردي" منه:
تعطّفْ واغتنم يا حُبّ أجري … فلي دمعٌ من الأنواء أجْرَى
غرقتُ به فجُد لي حان صبري … وعاد الحلو بعد الهجر صبرا
يذوب ويضمحلّ الان (…) ولي دمع من الأنواء أثْرى
بفضلك يا عليل الفضل اقري … سلامك لي ونظمي الآن اقرا

(^١) مسجد الخشب: في محلّة مسجد الخشب بطرابلس، ورد ذكره في وثائق الأرشيف العثماني، وهو قريب من جبّانة باب الرمل، نرجّح أنه كان يُصلَّى فيه على الجنائز، كان موجودًا أيام المماليك، ولا نعرف من بناه. انظر: محلّات طرابلس القديمة، مواقعها، أسماؤها، سكانها من خلال الوثائق العثمانية - من إعدادنا - في كتاب: المؤتمر الأول لتاريخ ولاية طرابلس إبّان الحقبة العثمانية - منشورات الجامعة اللبنانية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الفرع الثالث - (طرابلس) أيار (مايو ١٩٩٥) ص ١٠٥، رقم ١٠، وبحث الأوقاف الإسلامية في طرابلس الشام من وثائق الأرشيف العثماني وأهميتها في رصد حركة العمران - نُشر في الكتاب الصادر عن المؤتمر الدولي السابع لتاريخ بلاد الشام - عمان ١٤٣١ هـ/ ٢٠١٠ م. المجلّد الرابع الخاص بلبنان - ص ٥٤ رقم (٣٠).
(^٢) المجمع المفنّن، رقم (٥٨٢).
(^٣) الضوء اللامع ٤/ ٢٧، رقم (٨٢)
(^٤) المجمع المفنّن، رقم (٢٠٠).

1 / 11

ومنه:
فنظمي قد أتاك كمثل قدري … وأنت أجلُّ - يا مولاي - قدرا
وعارَضَ "التّقيّ بن حجّة الحموي" بموشّح هذا أوله:
ما سَلَّ مهَنَّدًا من الأجفانِ … بالسِحر سُقي
إلّا وملا دمعي دما أجفاني … وازداد حُرَقي
قال المؤلّف عبد الباسط: "هذا ما حضرني من موشّحه. وكنت أحفظ الكثير من شعره، فإنني جالسته كثيرًا حيث كان يكتب للوالد في دارنا بطرابلس، وكتبت عنه من نظمه شيئًا كثيرًا، وأنشدني إيّاه، لكنّه شتّ الآن عنّي إلّا ما أثبتّه هاهنا، وضاع المكتوب أيضًا. لكنّه له ديوان شِعر، لو وجدته لنقلت عنه ما كان أنشدنيه … وكان عهدي به في سِنيّ أربع وستين وثمانمائة".
وقال في آخر ترجمته: "وبالجملة فكان غير مُعدَم من فضيلة بالنسبة إلى تلك البلاد، لا سيما طرابلس، فإنها غريبة عن العلم والعلماء غالبًا، لا سيما في هذه الأزمان، وبالله المستعان" (^١)!
وكان "إبراهيم بن عبد الرحمن الطرابلسي" في مرحلة الصِّبا والشباب حين تعانى الخط المنسوب، وفاق أقرانه بالكتابة بقلم النسْخ، فكان يكتبه جيّدًا، ولهذا عُرف بالناسخ، ونسخ عدّة كتب لوالد المؤلّف ولازمه مدّة وهو بطرابلس، وكتب له كثيرًا (^٢).
كذلك يؤسفنا أن كتابه: "المجمع المفنَّن بالمُعجَم المُعَنْون" لم يكتمل، بل لم يصلنا منه سوى جزء يسير يتضمّن تراجم الأعلام على أربعة حروف، من الألِف حتى الثاء، وبعض الحرف الخامس (الجيم)، من أصل ٢٨ حرفًا مجموع الحروف الأبجدية، وبذلك فاتنا الكثير من أخباره، وأخبار أبيه وأهل بيته بطرابلس.
وكل الذي عرفناه من أخبار تلك الفترة: أنه مرض سنة ٨٦٥ هـ، وكان بطرابلس طبيب غَرناطيّ من الأندلس، هو "إبراهيم بن يونس" فعالجه ونجح في علاجه (^٣).
وماتت عمّته - أخت أبيه - "صفَرْ مَلَكٌ" في العام ٨٦١ هـ.
وفي شهر شوال من السنة نفسها مات دوادار والده "تغري بردي التركماني"

(^١) المجمع المفنّن، رقم (١٠٤٤).
(^٢) المجمع المفنّن، ج ١/ ص ١٩٥ رقم (٥٩).
(^٣) المجمع المفنّن، رقم (١٤٣).

1 / 12

بعد أن طال مرضه، وكان موته عند أقاربه بجبل الأقرع من أعمال طرابلس، وخلّف زوجته وبنتًا لهما في دار والد المؤلّف. وكانت زوجته إحدى أمّهات أولاد الوالد "خليل بن شاهين" (^١).
ووُلد للمؤلّف أخ بطرابلس في عام ٨٦٣ هـ. اسمه "إبراهيم"، وأمّه أمّ ولد، اسمها "بلبل"، وهي تركية، ولم يعش سوى تسع سنين، إذ مات بعد عودة أبيه من العراق إلى طرابلس في أواخر سنة ٨٧٢ هـ. فصنع له تابوتًا ودفنه في مدفنه الذي كان أعدّه لنفسه بطرابلس (^٢).
ومن المعلومات التي ذكرها وهو بطرابلس:
أن الأمير "إياس المحمدي الناصري الطويل" لما تولّى نيابة السلطنة سنة ٨٦٣ هـ. كان لدخوله إليها يوم مشهود، ولكنّه باشرها بظلم وعسف، مع التظاهر بالفسق واللواط وشُرب الخمر، وأنه صنع كأسًا من ذهب، وزنه فوق الرطلين بالشامي، ليشرب به الخمر، واستقر بطرابلس عن قلّة دين هو وولده "رجب"، وكثرة ظلم وشَرَهٍ لأخذ أموال الناس. وقال المؤلّف: "وأخبرني الوالد عنه أنه اشتمّ منه رائحة الخمر في يوم الجمعة، وهو في الصلاة بجامعها الكبير" (^٣).
وأن الأمير "إينال اليحياوي الظاهري، المعروف بالأشقر" الذي تولّى نيابة حلب، ومَلطية، وغزّة، وطرابلس، كان يجتاز في سفره إلى الجون (هو جون الإسكندرون عند آياس) في دولة الأشرف إينال بطرابلس، وأنه نزلها مرة، وهو بها مع والده، وبقي بها شهورًا ساكنًا بقاعة من باب آقطُرق (^٤)، بالقرب من مدرسة أرغون شاه (^٥).
ويحتمل أن المؤلف أنجز أول مؤلفاته وهو بطرابلس حيث وصَلَنا له: "إجابة

(^١) المجمع المفنّن، رقم (١٠٥٢).
(^٢) الروض الباسم ٤/ ورقة ١٩٠ ب.
(^٣) المجمع المفنّن، رقم (٨٤٥).
(^٤) باب آق طُرق: أحد بوابات طرابلس القديمة في عصر المماليك، نسبة إلى الأمير "سيف الدين آقطرق الحاجب" صاحب المدرسة المعروفة بـ "السَقْرقيّة"، وهي على بعد نحو ٥٠ مترًا من البؤابة التي كانت عند الزاوية الجنوبية الشرقية من مدرسة أرغون شاه. (محلات طرابلس القديمة … بحث لنا سبق ذكره - ص ١١٣، رقم ١٨)، ويُعرف الآن بباب الرمل، وقد أزيل وبقيت بعض آثاره.
(^٥) مدرسة أرغون شاه، وتعرف بزاوية أرغون شاه. وحاليًا: جامع أرغون شاه. نسبة إلى الأمير "أرغون شاه الإبراهيمي المنجكي" نائب السلطنة بطرابلس (٧٩٦ - ٨٠٠ هـ). أُنظر عنه في كتابنا: تاريخ وآثار مساجد ومدارس طرابلس في عصر المماليك - طرابلس - دار البلاد ١٣٩٤ هـ/ ١٩٧٤ م. - ص ٢١٧ وما بعدها.

1 / 13

السائلين في شرح عمدة الطالبين ورغبة الراغبين"، في الفقه، وهو بخطه في سنة ٨٦٤ هـ (^١). وكان لا يزال في دمشق.
في دمشق:
وفي شهر جمادى الآخر من سنة ٨٦٥ هـ. نراه مع والده وأهله في دمشق، وفيها شهد حضور "وليّ الدين أحمد بن محمد بن محمد بن عمر بن رسلان البُلْقيني" ليتولّى القضاء الأكبر بدمشق، وخطابة جامعها الأموي، وكان لدخوله إليها يوم مشهود، وكذلك كانت أول خطبة يخطبها في الجامع من مشاهير الأيام. وقال: "حضرت في ذلك اليوم بالجامع الأموي لسماع خطبته، فشنّف الأسماع بعبارته وطِيب نغمته، لعلّي لم أسمع مثله إلى الآن في حُسن عبارته وفصاحته وشجاوة صوته ونغمته وحلاوة ذلك وطلاوته. وكان ما يخطب به من إنشائه، ثم عمل مجلسًا بعد الصلاة للوعظ هائلًا، ولم أسمع مثله قبله. ثم حضرت بعد ذلك عدّة مجالس من وعظه وخُطَبه، فكان إلى ذلك المنتهى … رأيته بدمشق يصعد المنبر وعليه الجُبّة السِّمَّور، مسبولة الطوق إلى عجزه وأسفل منه" (^٢).
ويخبرنا "عبد الباسط" أن الدار التي سكنوها بدمشق كانت دار "كمشبُغا طولوا" بالقرب من عين دار البطّيخ، والتي جدّد آثارها حاجب الحجّاب بدمشق "إبراهيم بن بَيْغوت"، وأنشأ حمّامًا بقربها (^٣).
في القاهرة:
لم تطُل إقامة "عبد الباسط" مع والده بدمشق، إذ عادا إلى القاهرة أواخر العام ٨٦٥ هـ. وسكن مع والده بدار زوجته "أصيل باي" التي تقدّم ذِكرها، فهرع أصحاب أبيه للسلام عليه، وكان الشيخ "عَلَم الدين، صالح بن عمر بن رسلان البُلْقيني" (ت ٨٦٨ هـ) ممن جاء للتهنئة، فدعا "خليل" ولدَه "عبدَ الباسط" لرؤيته وتقبيل يديه، فساعةَ وقع نظر "البُلقيني" عليه أجَلَّه واحترمه، وأخذ والده يُثني عليه، ويصفه بالعلم والذكاء. ثم اصطحبه أبوه معه إلى مجلس قاضي القضاة الحنفية "أحمد بن الدَيْري" بالمدرسة المؤيَّديّة (^٤)، فسأله عن مسألة في الفرائض، فأجابه (^٥).

(^١) انظر مصنّفات المؤلّف في ما يأتي لاحقًا.
(^٢) المجمع المفنّن، ج ١/ ٥٧٢، رقم (٥٣٨).
(^٣) المجمع المفنّن، ١/ ١٦٦، رقم (٢٢).
(^٤) المدرسة المؤيَّديّة: هي المدرسة التي أنشأها السلطان المؤيَّد شيخ المحمودي بالصُةَّة تجاه القلعة. (بدائع الزهور ٢/ ٣٨، المواعظ والاعتبار، للمقريزي - تحقيق د. أيمن فؤاد سيد - لندن، مؤسسة الفرقان ١٤٢٤ هـ / ٢٠٠٣ م. - ج ٤ ق ٢/ ٦٧٢).
(^٥) الروض الباسم ٢/ ورقة ١٠ ب، ١١ أ.

1 / 14

الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم | Усуль