ал-Иджтихад фи Манат ал-Хукм аш-Шари Дираса Та'силийя Татбийкия
الاجتهاد في مناط الحكم الشرعي دراسة تأصيلية تطبيقية
Издатель
مركز تكوين للدراسات والأبحاث
Издание
الأولى
Год публикации
١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م
المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي
جامعة أم القرى
كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
قسم الشريعة - تخصص أصول الفقه
الاجتهاد في المناط عند الأصوليين
وعلاقته بالأدلة الشرعية
وتطبيقاته في فقه النوازل المعاصرة
1 / 1
بحث مقدَّم لنيل درجة الدكتوراه في أصول الفقه
إعداد
بلقاسم بن ذاكر بن محمد الزُّبيدي
إشراف
أ. د. غازي بن مرشد العتيبي
١٤٣٤ هـ - ١٤٣٥ هـ
1 / 2
بسم الله الرحمن الرحيم
1 / 3
المقدمة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
أما بعد:
فإن من أعظم أوصاف الشريعة المحمدية أنها شريعةٌ عامة، وهذا الوصف يشمل العموم في خطاب المكلَّفين بها،كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سبأ: ٢٨].
كما يشمل العموم في تناولها لأحكام الواقعات بالنصِّ أو الاجتهاد في كل زمانٍ ومكان، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩].
1 / 5
قال الشافعي ﵀: " "فليستْ تنزلُ بأحدٍ من أهل دين الله نازلةٌ إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها." (١).
وقال الخطابي: "الله تعالى لم يترك شيئًا يجب له حكمٌ إلا وقد جعل فيه بيانًا، ونصب عليه دليلًا ولكن البيان ضربان، بيانٌ جليٌّ يعرفه عامة الناس كافة، وبيانٌ خفيٌّ لا يعرفه إلا الخاصّ من العلماء الذين عُنوا بعلم الأصول فاستدركوا معاني النصوص، وعرفوا طرق القياس والاستنباط، وردِّ الشيء إلى المثل والنظير" (٢).
ولاريب أن العموم في خطاب المكلَّفين وأحكام الواقعات يستلزم الاجتهاد في استنباط المعاني التي أنيطت بها الأحكام في الكتاب والسُّنَّة، ثم الاجتهاد في إدراج الأشخاص المعينة والحوادث المستجدة في كل زمانٍ ومكانٍ تحت تلك المعاني التي أنيطت بها أحكامها.
وذلك لأن " الشريعة لم تنصّ على حكم كلِّ جزئيةٍ على حِدتها، وإنما أتت بأمورٍ كليةٍ وعباراتٍ مطلقةٍ تتناول أعدادًا لا تنحصر" (٣).
وبناءً على ذلك فإن " كل حكمٍ لله أو لرسوله وُجِدت عليه دلالةٌ فيه أو في غيره من أحكام الله أو رسوله بأنه حُكِم به لمعنىً من المعاني، فنزلت نازلةٌ ليس فيها نصُّ حكمٍ: حُكِم فيها حكمُ النازلة المحكومِ فيها، إذا كانت في معناها" (٤).
ويعتبر الاجتهاد في استنباط الأوصاف والمعاني التي أنيطت بها أحكام الشريعة، وتنزيلها على الوقائع والمستجدات المختلفة في كل عصرٍ ومصرٍ من أدقِّ أنواع الاجتهاد في الشريعة.
قال ابن تيمية: " فالكتاب والسُّنة بيَّنا جميعَ الأحكام بالأسماء العامة، لكن يحتاج إدخال الأعيان في ذلك إلى فهمٍ دقيقٍ ونظرٍ ثاقبٍ لإدخال كلِّ
(١) الرسالة: (٢٠).
(٢) معالم السنن مع التهذيب: (٣/ ٥٦).
(٣) الموافقات: (٥/ ١٤).
(٤) الرسالة: (٥١٢).
1 / 6
معينٍ تحت نوع، وإدخال ذلك النوع تحت نوعٍ آخر بيَّنه الرسول ﷺ " (١).
ولما كان الاجتهاد في مناطات الأحكام استنباطًا وتنزيلًا من أدقّ أنواع الاجتهاد في الشريعة لقي هذا الموضوع مزيد اعتناءٍ عندي، ووقع عليه الاختيار دون غيره من الموضوعات.
أسباب اختيار الموضوع:
من أهم الأسباب التي دفعتني لبحث هذا الموضوع -إضافةً إلى ماتقدم- مايأتي:
١ - إن شرف العلم بشرف المعلوم، وشرف البحث بشرف المبحوث، وهذا البحث يتعلق بأهم مباحث أصول الفقه، وهو الاجتهاد في الأوصاف والمعاني التي أنيطت بها الأحكام استنباطًا وتنقيحًا وتنزيلًا على الأشخاص والأحوال والوقائع المستجدَّة في كل عصرٍ ومصر.
٢ - الاجتهاد في المناط يتعلق غالبًا بالنظر في أهم ركنٍ من أركان القياس وهو العِلَّة؛ وذلك لأن الأنواع الثلاثة للاجتهاد في المناط تشترك كلها في أنها تَرِدُ على العِلَّة، إما لتنقيحها إذا كانت العِلَّة منصوصةً واقترنت بها أوصافٌ لاتصلح للعليَّة، أو لتخريجها إذا كانت العِلَّة مستنبطة، أو لتحقيقها في الفرع سواءً ثبتت العِلَّة في حكم الأصل بالنصِّ أو الإجماع أو الاستنباط.
ويعتبر الاجتهاد في العِلَّة من أدقِّ مباحث القياس الأصولي، وأكثرها اشتباهًا، وأشدها التباسًا، وهو أمرٌ يستدعي البحث والتحقيق في المطالب المتعلقة بالاجتهاد فيها.
٣ - الاجتهاد في المناط يشمل جميع الأحكام الشرعية، فلا يخلو حكمٌ شرعيٌّ من الحاجة إلى النظر في تنقيح المناط أو تحقيقه أو تخريجه.
قال الشاطبي: " ولو فُرِض ارتفاع هذا الاجتهاد - أي: تحقيق المناط - لم تنزَّل الأحكام الشرعية على أفعال المكلَّفين إلا في الذهن؛ لأنها مطلقاتٌ
(١) درء تعارض العقل والنقل: (٧/ ٣٤٢ - ٣٤٣).
1 / 7
وعمومات، وما يرجع إلى ذلك منزَّلاتٌ على أفعال مطلقاتٍ كذلك، والأفعال لا تقع في الوجود مطلقة، وإنما تقع معينةً مشخصةً، فلا يكون الحكم واقعًا عليها إلا بعد المعرفة بأن هذا المعين يشمله ذلك المطلق أو ذلك العام " (١).
٤ - الاجتهاد في المناط يتعلق بجميع الأدلة الشرعية، ولا يخلو دليلٌ شرعيٌّ من تعلُّقٍ بأحد أنواعه الثلاثة.
٥ - الاجتهاد في المناط سببٌ من أهم أسباب اختلاف المجتهدين في عامة أبواب الشريعة.
فالناظر في كثيرٍ من المسائل الخلافية بين المجتهدين في القديم والحديث يجد أن من أهم أسباب الاختلاف في تلك المسائل ما يرجع إلى الاختلاف في مناط الحكم،ومعرفة المحكوم فيه على حقيقته، وما يدخل فيه وما لا يدخل،ومكونات الأشياء ومميزاتها،وخصائص الأعيان وأوصافها، وأسباب الأفعال ومآلاتها، ونحو ذلك مما له تأثيرٌ في الحكم حسب نظر المجتهد.
وكما يقول ابن رشد القرطبي: " لربما اتفقوا على مضمون القاعدة الأصولية أو الفقهية إلا أنهم يختلفون في تحققها في الواقعة والنازلة المعروضة " (٢).
٦ - كثرة الوقائع والحوادث التي تختلف أحكامها بحسب اختلاف مناطاتها، وهو ما يستوجب ضبط الاجتهاد في طلب أحكام تلك الوقائع وتحقيق مناطاتها، والإسهام بجهدٍ تأصيليٍّ وتطبيقيٍّ في هذا الموضوع.
ولا شك أن التقصير في هذا النوع من الاجتهاد يفضي إلى تنزيل الأحكام الشرعية على صورٍ متشابهةٍ في الظاهر متباينةٍ في الحقيقة، كما يفضي إلى صرف الحكم الشرعي عن بعض أفراده المنطبقة عليه.
قال الشاطبي: " الشريعة لم تنصّ على حكم كلِّ جزئيةٍ على حِدتها،
(١) الموافقات: (٥/ ١٧).
(٢) بداية المجتهد: (١/ ٤٥٨).
1 / 8
وإنما أتت بأمورٍ كليَّةٍ وعباراتٍ مطلقةٍ تتناول أعدادًا لا تنحصر، ومع ذلك فلكل معينٍ خصوصيةٌ ليست في غيره ولو في نفس التعيين " (١).
بل قد يفضي عدم مراعاة ضوابط الاجتهاد في المناط إلى الابتداع في الدين، والتزيُّد على الشريعة وإدخال ما ليس منها فيها، وقد ذكر الشاطبي أن من خفيات تحريف الكلِم عن مواضعه تحريف الأدلة عن مواضعها،وذلك بأن يرد الدليل على مناطٍ فيصرف عن ذلك المناط إلى أمرٍ آخر موهمًا بأن المناطين واحد (٢).
٧ - لم أعثر حسب اطلاعي على دراسةٍ أصوليةٍ تُعنَى بموضوع الاجتهاد في المناط تخريجًا وتنقيحًا وتحقيقًا، وضوابط ذلك الاجتهاد، ومسالكه، وعلاقته بالأدلة الشرعية، مع التطبيق على فقه النوازل المعاصرة.
لهذه الأسباب وغيرها رغبت في بحث هذا الموضوع تحت عنوان: «الاجتهاد في المناط وعلاقته بالأدلة الشرعية وتطبيقاته في فقه النوازل المعاصرة» استكمالًا لمتطلبات شهادة العالمِية العالية (الدكتوراه) في أصول الفقه.
الدراسات السابقة:
أهم الدراسات السابقة التي لها علاقةٌ مباشرةُ بموضوع البحث ما يأتي:
١ - الاجتهاد بتحقيق المناط وسلطانه في الفقه الإسلامي، للباحث: عبد الرحمن زايدي،رسالة ماجستير بالجامعة الأمريكية المفتوحة بالقاهرة، نوقشت سنة ٢٠٠١ م.
ومما يلحظ على هذه الدراسة:
أولًا: تغليب الأسلوب الثقافي والفكري في لغة البحث على قواعد التأصيل العلمي وتحقيق المسائل والاستدلال لها والتطبيق عليها.
(١) الموافقات: (٥/ ١٤).
(٢) ينظر: الاعتصام: (١/ ٢٤٩).
1 / 9
ثانيًا: التوسع والإطالة في بحث موضوعات ليس لها علاقةٌ مباشرةٌ بموضوع البحث مما جعل ثلثي الكتاب خارج صلب الموضوع.
ومن تلك الموضوعات: تجزؤ الاجتهاد،وشروط المجتهد، والاجتهاد في زمن النبي ﷺ، ومراعاة الخلاف، وتجديد الاجتهاد، ونقض الاجتهاد،والعزائم والرخص وأقسامها وضوابطها، وأقسام المشقة وضوابطها، وتتبع رخص الفقهاء، والكتب المعتمدة في الفتوى، وتطور الإفتاء، والفتاوى الجماعية، وغيرها من الموضوعات التي توسع فيها الباحث ولم يبين وجه علاقتها العلمية أو العملية بموضوع البحث.
ثالثًا: لم تتناول الدراسة كلًا من الموضوعات الآتية:
-مسالك تحقيق المناط، ومنها: الكتاب،والسُّنة،والإجماع، وقول الصحابي، ولغة العرب، والعُرْف، والحِسّ، وقول أهل الخبرة، والبينات الشرعية، والحساب والعدد.
-ضوابط تحقيق المناط، ومنها: التصوُّر الصحيح التام للواقعة،ومراعاة اختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة، واعتبار مآلات الأفعال، ومراعاة اختلاف مقاصد المكلفين، والموازنة بين المصالح والمفاسد.
- العلاقة بين تحقيق المناط والأدلة الشرعية المتفق عليها والمختلف فيها.
رابعًا: اقتصرت الدراسة على بحث الاجتهاد في تحقيق المناط، ولم تتناول الاجتهاد في تخريج المناط، أو الاجتهاد في تنقيح المناط.
٢ - تحقيق المناط وأثره في اختلاف الفقهاء، للباحث: حمادة مصطفى علي القضاة، رسالة ماجستير بالجامعة الأردنية، نوقشت سنة ٢٠٠٠ م.
وهذا البحث يتناول موضوع تحقيق المناط باعتباره سببًا من أسباب اختلاف الفقهاء، مع بيان أثر ذلك في بعض المسائل الفقهية التراثية،وهي: زكاة الحلي، ونكاح التحليل، والتفريق بين الزوجين قضاءً بسبب إعسار الزوج، وإقامة الحدّ على النباش، واشتراك من لايجب عليه القصاص مع من يجب عليه القصاص في القتل.
1 / 10
ولم تتناول الدراسة: مسالك تحقيق المناط، أو العلاقة بين تحقيق المناط والأدلة الشرعية،كما إن الدراسة اقتصرت على بحث الاجتهاد في تحقيق المناط، ولم تتناول الاجتهاد في تخريج المناط،أو الاجتهاد في تنقيح المناط.
٣ - تحقيق المناط دراسة أصولية تطبيقية، للباحث: العربي الإدريسي،بحث منشور في مجلة البحوث الفقهية المعاصرة،العدد (٧٥) الصادر بتاريخ ١/ ٨/٢٠٠٧ م.
ومما يلحظ على هذا البحث:
أولًا: اقتصر البحث على دراسة الاجتهاد في تحقيق المناط، ولم يتناول الاجتهاد في تخريج المناط، أو الاجتهاد في تنقيح المناط.
ثانيًا: لم يتناول البحث مسالك تحقيق المناط، أو ضوابط تحقيق المناط، أو العلاقة بين تحقيق المناط والأدلة الشرعية.
ثالثًا: خلو البحث من التطبيق على النوازل المعاصرة، واكتفاء الباحث بالتطبيق على بعض المسائل الفقهية التراثية، وهي: زكاة الحلي، ونكاح التحليل، والتفريق بين الزوجين للإعسار بالنفقة، وحكم النبَّاش.
٤ - تحقيق المناط، للباحث: د. صالح العقيل،بحث منشور في مجلة العدل الصادرة عن وزارة العدل بالمملكة العربية السعودية،،العدد (٢٠) شوال ١٤٢٤ هـ، والعدد (٢٦) ربيع الآخر ١٤٢٦ هـ.
ومما يلحظ على هذا البحث:
أولًا: اقتصر البحث على دراسة الاجتهاد في تحقيق المناط،ولم يتناول الاجتهاد في تخريج المناط، أو الاجتهاد في تنقيح المناط.
ثانيًا: لم يتناول البحث كلًا من الموضوعات الآتية:
-ضوابط تحقيق المناط، ومنها: التصوُّر الصحيح التام للواقعة،ومراعاة اختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة، واعتبار مآلات الأفعال، ومراعاة اختلاف مقاصد المكلفين، والموازنة بين المصالح والمفاسد.
1 / 11