749
العقل في الدية
جاء في الشريعة بأن من قتل خطأً فإن عليه الدية تسلم لورثة القتيل، فحفظ الشرع بهذا حق هؤلاء الورثة ورد للمقتول ما أمكن من اعتبار، ومن أجل خطأ القاتل وما يتضمنه من نوع عذر وعدم تحميله المسئولية كاملة، جاء الشرع بأن تتحمل عقيلة القاتل هذه الدية، ومثل ذلك شبه العمد بتفاصيل ونسب معلومة في كتب الأحكام، ومن المحفوظ عنه ﷺ أنه قضى بالدية على العاقلة، وتوجه الحق عليها لما تحمله من حق النصرة والعصبة لصاحبهم الظالم.
وجاء عمر ﵁ وكأنه تمعن معقول النص، ولم يقف على لفظه، فرأى أن المسئولية يشارك فيها من تكون به النصرة والمعونة، وليس مجرد القرابة النسبية والميراث، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ موضحًا هذا التوجه: قضى رسول الله ﷺ بالدية على العاقلة، وهم الذين ينصرونه ويعينونه، وكانت العاقلة على عهده هم عصبته، فلما كان في زمن عمر جعلها على أهل الديوان، لهذا اختلف فيها الفقهاء فيقال -والكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أصل ذلك أن العقالة هل هم محددون بالشرع، أو هم من ينصره ويعينه من غير تعيين؟
إذًا: المجتهد ينظر في العقالة: إما نظرًا لغويًا، أو نظرًا عرفيًا، بالنظر اللغوي في لغة العرب أو العرفي وهو أن نعود إلى عهد النبي ﷺ، كما قلنا في العدالة، فالعدالة والعاقلة هذان لفظان موجودان، لكن ما الذي يدخل تحتهما؟
فشيخ الإسلام ابن تيمية يقول مؤصلًا في الموضوع: أصل ذلك أن العاقلة هل هم محددون بالشرع، أو هم من ينصره ويعينه من غير تعيين؟
فمن قال بالأول لم يعدل عن الأقارب؛ لأنها العاقلة على عهده، ومن قال بالثاني جعل العاقلة في كل زمان ومكان من ينصر الرجل ويعينه في ذلك الزمان والمكان.
فلما كان على عهد النبي ﷺ إنما ينصره ويعينه أقاربه كانوا هم العاقلة، إذ لم يكن على عهد النبي ﷺ ديوان ولا عطاء، فلما وضع عمر ﵁ الديوان كان معلومًا أن جند كل مدينة ينصر بعضه بعضًا ويعين بعضه بعضًا، وإن لم يكونوا أقارب، فكانوا هم العاقلة.
قال شيخ الإسلام: وهذا أصح القولين، وأنها تختلف باختلاف الأحوال، وإلا فرجل سكن المغرب وهناك من ينصره ويعينه كيف تكون عاقلته من بالمشرق في مملكة أخرى، ولعل أخباره قد انقطعت عنه، والميراث يمكن حفظه للغائب، فإن النبي ﷺ قضى في المرأة القاتلة أن عقلها على عصبتها، وأن ميراثها لزوجها وبنيها، قال: فالوارث غير العاقل.

69 / 23