والسبب الظاهر - الذي لا يُخْبِر الرُّسُل بأمثاله لِرُخْصِهِ (^١) عند النَّاس، ومعرفتهم له من غيرهم - هو مفارقته للمَأْلَفِ (^٢) والعادةِ التي كان فيها إلى أمرٍ غريبٍ، فإنَّه ينتقل من جسمٍ حارٍّ إلى هواءٍ باردٍ، ومكانٍ لم يَأْلَفْهُ، فيستوحش من مفارقته وَطَنَهُ ومَأْلَفَهُ.
وعند أرباب الإشارات أنَّ بكاءَهُ إرهاصٌ (^٣) بين يدي ما يلاقيه من الشدائد والآلام والمخاوف، وأنشدوا في ذلك:
ويَبْكِي بها المولودُ حتَّى كأنَّهُ ... بكُلِّ الذي يلْقَاهُ فيها يُهَدَّدُ
وإلَّا؛ فما يُبْكِيهِ فيها، وإنَّها ... لأَوْسَعُ مِمَّا كانَ فيهِ وأَرْغَدُ؟ (^٤)
ولهم نظير هذه الإشارة في قبض كَفِّهِ عند خروجه إلى الدنيا، وفي فتحها عند خروجه منها، وهو الإشارة إلى أنَّهُ خرج إليها مركَّبًا على الحِرْصِ والجَمْع (^٥)، وفَارَقَها صِفْر اليدين منها، وأنشدوا في ذلك:
(^١) أي: لسهولة معرفته. والمثبت من (م)، وفي باقي النسخ: برخصه عن.
(^٢) في (ح) و(م): للمألوف.
و"المَأْلَف": الموضع الذي يألفه الإنسان. "المصباح المنير" (٢٥).
(^٣) في جميع النسخ: إرهاصًا!
والمراد بـ "إرهاص" أنَّه مقدِّمةٌ له، وإيذانٌ به.
انظر: "تاج العروس" (١٧/ ٦٠٨).
(^٤) "ديوان ابن الرومي" (٣٩٣)، ولفظه:
لِمَا تُؤذِنُ الدنيا به من صُرُوفها ... يكون بكاءُ الطفل ساعةَ يُولَدُ
وإلَّا فما يبكيه منها وإنَّها ... لأَفْسَحُ ممَّا كان فيه وأرغَدُ
إذا أَبْصَرَ الدنيا اسْتَهَلَّ كأنَّه ... بما سوف يلقى من أذاها يُهَدَّدُ
(^٥) في (ح) و(م): والطمع.
1 / 545
فصل: القسم في سورة القيامة
فصل: الحكمة في ذكر ثمود دون غيرهم من الأمم في سورة الشمس
فصل: اختلافهم في عسعسة الليل، وتوجيه أقوالهم
فصل: الجمع بين الظاهر والباطن جاء تقريره في آيات كثيرة
فصل: الثناء على "القلم"
فصل: القلم الثاني: قلم الوحي
فصل: القلم الثالث: قلم التوقيع عن الله ورسوله، وهو قلم الفقهاء والمفتين
فصل: القلم الرابع: قلم طب الأبدان
فصل: القلم الخامس: قلم التوقيع عن الملوك ونوابهم
فصل: القلم السادس: قلم الحساب الذي تضبط به الأموال
فصل: القلم السابع: قلم الحكم الذي تثبت به الحقوق
فصل: القلم الثامن: قلم الشهادة
فصل: القلم التاسع: قلم التعبير عن الرؤى
فصل: القلم العاشر: قلم تواريخ العالم ووقائعه
فصل: القلم الحادي عشر: قلم اللغة
فصل: ما دلت عليه الآية من لطيف الإشارات والتنبيهات
فصل: الاستطراد أسلوب لطيف جدا، وجاء في القرآن على نوعين
فصل: عجائب الخلق في الأذن
فصل: عجائب الخلق في الأنف
فصل: عجائب الخلق في اللسان
فصل: الحكمة في جعل اللسان عضوا لحميا لا عظم فيه
فصل: الحكمة في أنه جعل على اللسان غلقين
فصل: مبدأ خلق الإنسان
فصل: بعض الأطباء ابتكر طريقة لحساب زمن الولادة، وتضعيف المؤلف لها
فصل: اختلافهم في أول ما يتخلق من الأعضاء، وأدلة كل قول
فصل: آلات الغذاء في الجسد ثلاثة
فصل: ما يفعله القلب في الدم بعد صفائه ونقائه
فصل: القلب بمنزلة التنور للأعضاء
فصل: فيه اختصار لما مضى ولم شتاته بإيضاح وإيجاز
فصل: الكلام عن الكبد؟ مادته ووظائفه
فصل: الكلام عن المرارة وموضعها
فصل: الكلام عن الدم، وهو نوعان: لطيف وغليظ
فصل: الكلام عن البلغم؟ منافعه وفوائده
فصل: الكلام عن الصفراء، وحاجة البدن إليها
فصل: الكلام عن المرة السوداء ومنافعها
فصل: الأعضاء عموما تنقسم إلى قسمين
فصل: الكلام عن الأعضاء الرئيسة؟ القلب، والكبد، والدماغ، والأنثيين