610

The Approach of Al-Qurtubi in Resolving Apparent Contradictions in Verses in His Book Al-Jami' Li-Ahkam Al-Qur'an

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

المثال الرابع:
سَبْق الإنْذَار لِقُرَيْش:
قَوله تَعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: ١٥]، مع قَوله تَعالى: (يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ) [المائدة: ١٩]، وقَوله تَعالى: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ) [القصص: ٤٦]، [السجدة: ٣].
صورة التعارض:
في آيَة "الإسراء" نَفْي التَّعْذِيب إلَّا بَعْد إقَامَة الْحُجَّة وإرْسَال الرُّسُل، وفي الآيَتَين الأُخْرَيَيْن الإخْبَار عن بِعْثَة النبي ﷺ أنه بُعِث في قَوْم لَم يَأتِهم نَذِير، وفي آيَة "المائدة" إثْبَات أنَّ بِعْثَته ﷺ جَاءت على فَتْرَة مِنْ الرُّسُل. مَع إخْبَارِه ﷺ عن تَعْذِيب بَعض أهْل الْجَاهِلِيَّة، وفي صحيح مسلم (^١) من حديث أنَس أنَّ رَجُلًا قال: يَا رَسُول الله أين أَبِي؟ قال: في النَّار، فَلَمَّا قَفَّى دَعَاه، فَقَال: إنَّ أبي وأبَاك في النَّار.
جمع القرطبي:
قال في آيَة "الإسراء":
قَوله تَعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)، أي: لم نَتْرُك الْخَلْق سُدَى، بل أرْسَلْنا الرُّسُل، وفي هَذا دَلِيل عَلى أنَّ الأحْكَام لا تَثْبُت إلَّا بِالشَّرْع … والْجُمْهُور على أنَّ هذا في حُكْم الدُّنيا، أي: أنَّ الله لا يُهْلِك أمَّة بِعَذَاب إلَّا بَعد الرِّسَالة إلَيهم والإنْذَار.
وقَالَت فِرْقَة: هذا عَامّ في الدُّنيا والآخِرَة، لِقَولِه تَعَالى: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ

(^١) (ح ٢٠٣).

1 / 610