584

The Approach of Al-Qurtubi in Resolving Apparent Contradictions in Verses in His Book Al-Jami' Li-Ahkam Al-Qur'an

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

جمع القرطبي:
قال القرطبي في آيةِ "آل عمران": (وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) يَعْنِي: الغَنِيمَة، نَزَلَتْ في الذِين تَرَكُوا الْمَرْكَز طَلَبًا للغَنِيمَة (^١).
وقيل: هي عَامَّة في كُلّ مَنْ أرَاد الدُّنيا دُون الآخِرَة، والْمَعْنَى: نُؤتِه منها مَا قُسِم له، وفي التَّنْزِيل: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ).
(وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا) أي: نُؤتِه جَزَاء عَمَلِه عَلى مَا وَصَف الله تَعالى مِنْ تَضْعِيف الْحَسَنَات لِمَنْ يَشاء.
وقِيل: الْمُرَاد منها عبد الله بن جبير ومَن لَزِم الْمَرْكَز مَعه حَتى قُتِلُوا (^٢).
وذَكَر القرطبي الْخِلاف في سَبَب نُزُول آيَة "هود"، فقال: قيل: نَزَلَتْ في الكُفَّار … بِدَلِيل الآيَة التي بَعْدَها: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ) [هود: ١٦] أي: مَنْ أتَى مِنهم بِصِلَةِ رَحِم أوْ صَدَقَة نُكَافِئه بِها في الدُّنيا بِصِحَّة الْجِسْم وكَثْرَة الرِّزْق، لكن لا حَسَنَة له في الآخِرة …
وقيل: الْمُرَاد بِالآيَة الْمُؤمِنُون، أي: مَنْ أرَاد بِعَمَلِه ثَوَاب الدُّنيا عُجِّل له الثَّوَاب ولم يُنْقَص شَيئًا في الدُّنيا، وله في الآخِرَة العَذَاب، لأنه جَرَّد قَصْدَه إلى الدُّنيا … فالعَبْد إنَّمَا يُعْطَى على وَجْه قَصْدِه، وبِحُكْم ضَمِيره؛ وهذا أمْرٌ مُتَّفق عليه في الأُمَم بَيْن كُلّ مِلَّة.
وقيل: هو لأهْل الرِّياء.
وقيل: الآيَة عَامَّة في كُلّ مَنْ يَنْوِي بِعَمَلِه غَير الله تَعالى، كان مَعه أصْل إيمان أوْ لَم يَكُنْ.
وقال مَيمون بن مِهران: ليس أحَد يَعْمَل حَسَنة إلَّا وُفِّيَ ثَوابها؛ فإن كان مُسْلِمًا مُخْلِصًا وُفِّي فِي الدُّنيا والآخِرَة، وإن كان كَافِرًا وُفِّي في الدُّنيا.

(^١) أي: في يوم أُحد، والسياق يقوي هذا القول، والعبرة بعموم اللفظ.
(^٢) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٤/ ٢٢٣) باختصار وتصرّف يسير.

1 / 584