561

The Approach of Al-Qurtubi in Resolving Apparent Contradictions in Verses in His Book Al-Jami' Li-Ahkam Al-Qur'an

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

جُحْرِها، ولأمْسَك الأمْطَار مِنْ السَّمَاء، والنَّبَات مِنْ الأرْض؛ فَمَات الدَّوَابّ، ولكن الله يَأخُذ بِالعَفْو والفَضْل، كَما قال: (ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) [المائدة: ١٥]، [الشورى: ٣٠]. (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ)، أي: أجَل مُوْتِهم، ومُنْتَهَى أعْمَارهم (لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)، وقد تقدم.
فإن قيل: فكيف يَعُمّ بالْهَلاك مع أنَّ فيهم مُؤمِنًا لَيس بِظَالِم؟
قيل: يَجْعَل هَلاك الظَّالِم انْتِقَامًا وجَزَاء، وهَلاك الْمُؤمن مُعَوَّضًا بِثَواب الآخِرَة.
وفي صحيح مسلم (^١) عن عبد الله بن عمر قال: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: إذا أرَاد الله بِقَوْم عَذابا أصَاب العَذَاب مَنْ كان فِيهم، ثم بُعِثُوا على نِيَّاتِهم.
وعن أم سَلمة وسُئلت عن الجيش الذي يُخْسَف به - وكان ذلك في أيام ابنِ الزبير - فقالت: قال رسول الله ﷺ: يَعُوذ بِالبَيت عَائذ، فَيُبْعَث إليه بَعْث، فإذا كَانوا بِبَيْدَاء مِنْ الأرْض خُسِف بِهم. فقلت: يا رسول الله! فكيف بِمَنْ كان كَارِهًا؟ قال: يَخْسِف به معهم، ولكنه يُبْعَث يَوْم القِيَامَة على نِيَّتِه (^٢) (^٣).
وفي قَوله تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا) [فاطر: ٤٥] قال القرطبي: يَعني مِنْ الذُّنُوب. (مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ)، قال ابن مسعود: يُرِيد جَمِيع الْحَيَوَان مِمَّا دَبّ ودَرَج. قال قتادة: وقَد فَعل ذلك زَمَن نُوح ﵇. وقال الكلبي: (مِنْ دَابَّةٍ):

(^١) (ح ٢٨٧٩)، ورواه البخاري (ح ٦٦٩١)، وفيهما: ثم بُعِثُوا على أعْمَالِهم.
(^٢) رواه مسلم (ح ٢٨٨٢) وهو مخرج في الصحيحين من حديث عائشة بمعناه. البخاري (ح ٢٠١٢).
(^٣) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (١٠/ ١٠٦، ١٠٧).

1 / 561