465

The Approach of Al-Qurtubi in Resolving Apparent Contradictions in Verses in His Book Al-Jami' Li-Ahkam Al-Qur'an

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

(قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) يَقُول له: قُلْ لِهؤلاء الذِين أرْسَلْتُك إلَيهم: مَا أسْألُكُم يَا قَوْم عَلى مَا جِئْتُكُم بِه مِنْ عِند رَبي أجْرًا، فَتَقُولُون: إنّمَا يَطْلُب محمد أمْوَالَنا بِمَا يَدْعُونا إليه، فلا نَتَّبِعُه، كَيْمَا لا نُعْطِيه مِنْ أمْوَالِنا شَيئا.
(إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) يَقُول: لَكِن مَنْ شَاء مِنْكُم اتَّخَذ إلى رَبِّه (سَبِيلًا) طَرِيقًا بإنْفَاقِه مِنْ مَالِه في سَبِيلِه، وفِيمَا يُقَرِّبه إليه مِنْ الصَّدَقة والنَّفَقَة في جِهَاد عَدُوِّه، وغَير ذلك مِنْ سُبُل الْخَيْر (^١).
بَيْنَمَا فَصَّل ابن جرير في آية "الشورى"، فَقَال: يَقُول تَعالى ذِكْرُه لِنَبِيِّه محمد: قُلْ يَا محمد للذِين يُمَارُونَك في السَّاعَة مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِك: لا أسْألُكُم أيّهَا القَوْم على دِعَايَتِكُم إلى مَا أدْعُوكُم إليه مِنْ الْحَقّ الذي جِئتُكُم به، والنَّصِيحَة التي أنْصَحُكُم - ثَوَابًا وجَزاء وعِوَضًا مِنْ أمْوالِكم تُعْطُونَنِيه (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى).
ثم ذَكَر ابن جرير الاخْتِلاف في مَعْنَى الْقُرْبَى، فَقَال مَا مُلخَّصه:
واخْتَلف أهْل التَّأويل في مَعْنَى قَوله: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)، فَقَال بَعْضُهم: مَعْنَاه: إلَّا أن تَوَدُّونِي في قَرَابَتِي مِنْكُم، وتَصِلُوا رَحِمِي بَينِي وبَينَكُم.
وقَال آخَرُون: بَلْ مَعْنَى ذلك: قُلْ لِمَنْ تَبِعَك مِنْ الْمُؤمِنِين: لا أسْألُكُم على مَا جِئتُكُم بِه أجْرًا إلَّا أن تَوَدُّوا قَرَابَتِي.
وقَال آخَرُون: بَلْ مَعْنَى ذلك: قُلْ: لا أسْألُكُم أيّهَا النَّاس عَلى مَا جِئتُكُم بِه أجْرًا إلَّا أن تَوَدَّدُوا إلى الله، وتَتَقَرَّبُوا بِالعَمَل الصَّالِحِ والطَّاعَة.
وأوْلَى الأقْوَال بِالصَّوَاب - عند ابن جرير - وأشْبَهِها بِظَاهِر التَّنْزِيل قَوْل مَنْ قَال: مَعْنَاه: قُلْ: لا أسْألُكُم عليه أجْرًا يَا مَعْشَر قُرَيش إلَّا أن تَوَدُّونِي في قَرَابَتِي مِنْكُم، وتَصِلُوا الرَّحِم التي بَيْنِي وبَيْنَكُم.

(^١) جامع البيان، مرجع سابق (١٧/ ٤٧٩).

1 / 465