وقَوله تَعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) [الإسراء: ٦٥] إخْبَار بِتَأيِيدِه تَعالى عِبَادَه الْمُؤمِنِين، وحِفْظِه إياهم، وحِرَاسَته لَهم مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم، ولِهَذا قَال تَعالى: (وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا) أي: حَافِظًا ومُؤيِّدًا ونَصِيرا.
ثم عَضَد ذلك بِمَا رَواه الإمام أحمد (^١) مِنْ حَدِيث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قَال: إنَّ الْمُؤمِن لَيُنْضِي شَيَاطِنَه كَمَا يُنْضِي أحَدُكُم بَعِيرَه في السَّفَر.
ثم فَسَّر ذلك بِقوله: يُنْضِي، أي: يَأخُذ بِنَاصِيَتِه ويَقْهَره (^٢).
وأوْرَد ابن كثير قول ابن عباس في تَفْسِير السُّلْطان، وأنه الْحُجَّة، كما أوْرَد قَول الحسن البصري: والله مَا ضَرَبَهم بِعَصَا، ولا أكْرَهَهم على شَيء، ومَا كَان إلَّا غُرُورًا وأمَانِي دَعَاهم إلَيها فأجَابُوه.
ثم قَال: وقَوله ﷿: (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ) أي: إنّمَا سَلَّطْنَاه عَليهم لِيَظْهر أمْر مَنْ هو مُؤمِن بِالآخِرَة وقِيَامِها، والْحِسَاب فِيها والْجَزَاء، فَيُحْسِن عِبَادَة رَبِّه ﷿ في الدُّنيا، مِمَّنْ هو مِنْها في شَكّ. وقَوله تَعالى: (وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) أي: ومَع حِفْظِه ضَلَّ مَنْ ضَلَّ مِنْ أتْبَاع إبْلِيس، وبِحِفْظِه وكَلاءَتِه سَلِمَ مَنْ سَلِم مِنْ الْمُؤمِنِين أتْباع الرُّسُل (^٣).
(^١) قال الهيثمي (١/ ١١٦): رواه أحمد وفي إسناده ابن لهيعة. والحديث أورده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (٣٥٨٦).
(^٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق (٩/ ٤٢).
وتفسير ابن كثير لمعنى "النَّضو" متعقب بما قاله العلماء من قبله.
قال ابن الأثير في النهاية (٥/ ٧١): أي يهز له ويجعله نضوًا، والنضو الدابة التي أهزلتها الأسفار وأذهبت لحمها ونقله - وزاد عليه - ابن منظور في "لسان العرب" (١٥/ ٣٣٠).
(^٣) تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق (١١/ ٢٨١) باختصار.