يأتِ بَعْد مِنْ أُمَّتك؟ فقال: أرَأيت لو أن رَجُلًا له خَيل غُرّ مُحَجَّلة بَيْن ظَهْرَي خَيْل دُهْم بُهْم، ألا يَعْرِف خَيْلَه؟ قَالوا: بلى يا رسول الله. قال: فإنّهم يَأتُون غُرًّا مُحَجَّلِين مِنْ الوُضُوء، وأنا فَرَطُهم على الْحَوض (^١).
إشكال وجوابه (^٢):
لَيس في قَوله ﷺ: يَا رَبّ أصْحَابي، فَيَقُول: إنك لا تَدْرِي مَا أحْدَثُوا بَعْدَك … فَيُقَال: إنّهم لَم يَزَالُوا مُرْتَدِّين على أعْقَابِهم - لَيس فِيه طَعْن في الصَّحَابة كَمَا توَهَّمَه أهْل البِدَع والزنْدَقَة.
والْجَوَاب عنه مِنْ وُجُوه:
الأوَّل: أنَّ ذلك في حقِّ مَنْ ارْتَدّ مِنْ الصَّحَابة، ومَات على ذلك، كَالذين ارْتَدُّوا بَعْد مَوتِه ﷺ، وقاتَلَهم الصَّحَابة، وعُرِفتْ تِلك الْحُرُوب بـ "حُروب الرِّدّة"، وإن كان مَنْ ارْتَدّ مِنْ الصَّحابَة يُعَدُّون آحَادًا.
ويُبيِّن هَذا مَا أعْقَب بِه البُخاري رِوَايته لِحَدِيث ابن عباس. قال محمد بن يوسف الفربري ذُكِر عن أبي عبد الله (^٣) عن قَبيصة قال: هُمْ الْمُرْتَدُّون الذين ارْتَدّوا على عهد أبي بَكر، فَقَاتَلَهم أبو بَكر ﵁ (^٤).
قال أنس بن مالك ﵁: لَمَّا تُوفِّي رسول الله ﷺ ارْتَدَّتِ العَرَب (^٥).
الثَّاني: أنَّ مَنْ ارْتَدّ لا يَنْطَبِق عليه وَصْف الصُّحْبَة الاصْطِلاحِيّ، إذْ الصَّحَابي هو "مَنْ لَقِي النبيَّ ﷺ مُسْلِمًا ومَاتَ على إسْلامِه" (^٦).
(^١) رواه مسلم (ح ٢٤٩).
(^٢) إنما أوردت هذا لتعلقه بهذا المبحث حيث ورد فيه الحديث عرضًا.
(^٣) هو البخاري نفسه.
(^٤) صحيح البخاري (٣/ ١٢٧١).
(^٥) رواه النسائي (ح ٣٠٩٤).
(^٦) تدريب الراوي، مرجع سابق (٢/ ٢٠٩).