425

The Approach of Al-Qurtubi in Resolving Apparent Contradictions in Verses in His Book Al-Jami' Li-Ahkam Al-Qur'an

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

وقيل: مِنْ هَول ذلك اليَوم يَفْزَعُون ويَذْهَلُون عن الْجَواب، ثم يُجِيبُون بَعْد مَا تَثُوب إليهم عُقُولُهم بِالشَّهَادة على أُمَمِهم.
وقيل: مَعْنَاه عِلْمُنا سَاقِط مع عِلْمك ومَغْمُور بِه، لأنك عَلَّام الغُيُوب.
ومَن عَلِمَ الْخَفِيَّات لَم تَخْفَ عليه الظَّوَاهِر التي مِنْها إجَابَة الأُمَم لِرُسُلِهم، فَكَأنَّه لا عِلْم لَنَا إلى جَنْب عِلْمِك.
وقيل: لا عِلْم لَنَا بِمَا كَان منهم بَعْدَنا، وإنّما الْحُكْم للخَاتِمَة.
وكيف يَخْفى عَليهم أمْرهم وقَد رَأوهم سُود الوُجُوه زُرْق العُيون مُوَبَّخِين؟
وقُرئ (علامَ الغيوب) بالنَّصْب على أنَّ الكَلام قَدْ تَمّ بِقوله: (إِنَّكَ أَنْتَ). أي: إنك الْمَوْصُوف بأوصَافِك الْمَعْرُوفَة مِنْ العِلْم وغيره، ثم نَصَب (عَلامَ الغُيوب) على الاخْتِصَاص، أوْ على النِّدَاء، أوْ هُو صِفَة لاسْمِ إنَّ (^١).
وذَكَر ابن عطية الْخِلاف في آية "المائدة"، وضَعَّف كَون الأنْبياء يَذْهَلُون، فَقَال: واخْتَلَف النَّاس في مَعْنَى قَولهم ﵈: (لَا عِلْمَ لَنَا)؛ فَقَال الطبري: ذُهِلُوا عَنْ الْجَوَاب لِهَول الْمَطْلَع. ثم ذَكَر ما ذَكَره ابن جرير، ثم قال:
وضَعَّف بَعض النَّاس هذا الْمَنْزَع بِقَوله تَعالى: (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ) [الأنبياء: ١٠٣]، والأنْبياء في أشَدّ أهْوَال يَوْم القِيَامَة وحَالَة جَوَاز الصِّرَاط يَقُولُون: سَلِّم سَلِّم (^٢).
وحَالهم أعْظم، وفَضْل الله عَليهم أكْثر مِنْ أن تَذْهَل عُقُولهم حتى يَقُولُوا مَا لَيس بِحَقّ في نَفْسِه.
وقال ابن عباس ﵁: مَعْنى الآية: لا عِلْم لَنا إلَّا عِلْمًا أنْت أعْلَم بِه مِنَّا.

(^١) وقال ابن رجب (كلمة الإخلاص - ص ٢٤): ورد إطلاق الشرك على الرياء وعلى الحلف بغير الله وعلى التوكل على غير الله والاعتماد عليه. وينظر: تيسير العزيز الحميد، سليمان بن عبد الله (ص ٤٣٩)، وفتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم (١/ ١٧٠).
() الكشاف، مرجع سابق (ص ٣١٤).
(^٢) كما في حديث أبي هريرة: رواه البخاري (ح ٧٧٣)، ومسلم (ح ١٨٢).

1 / 425