423

The Approach of Al-Qurtubi in Resolving Apparent Contradictions in Verses in His Book Al-Jami' Li-Ahkam Al-Qur'an

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

وتَعَقَّبَه ابنُ حجر بِقَولِه: والذي يَظْهَر أنه بَكَى رَحْمَة لأمَّتِه، لأنه عَلِم أنه لا بُدّ أن يَشْهَد عليهم بِعَمَلِهم، وعَمَلهم قد لا يَكُون مُسْتَقِيمًا، فقد يُفْضِي إلى تَعْذِيبِهم. والله أعلم (^١).
وقد أخبر الله ﷿ ثناؤه أنَّ الْمُحَاسَبَة تَكُون بِشَهَادة النَّبِيِّين والشُّهَدَاء، وقال تعالى: (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [الزمر: ٦٩]، وقال: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) [النساء: ٤١]، فالشَّهِيد في هَذه الآيَة النبي ﷺ، وشَهِيد كُلّ أمَّة نَبِيها، وأمَّا الشُّهَدَاء في الآيَة قَبْلَها فالأظْهَر أنّهم كَتَبَة الأعْمَال، تُحْضُر الأُمّة ورَسُولها، فَيُقَال للقَوم: (مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) [القصص: ٦٥] ويُقَال للرُّسُل: (مَاذَا أَجَبْتُمْ)؟ فَيَقُول الرُّسُل لله: (لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) وكأنهم نَسُوا مَا أُجِيبُوا به، وتَأخُذ الْهَيْبَة بِمَجَامِع قُلُوبِهم فَيَذْهَلُون في تِلك السَّاعَة عن الْجَوَاب، ثم يُثَبّتُهم الله ويُحْدِث لهم ذِكْرَى، فَيَشْهَدُون بِمَا أجَابَتْهم بِه أُمَمُهم (^٢).
وأشَار الزمخشري إلى أنَّ مَعْنَى آية "النساء" بِمَعْنَى قَوله تَعالى: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ) [المائدة: ١١٧] (^٣).
واقْتَصَر في آيَة "النحل" على بَيَان الْمَعْنى باخْتِصَار (^٤).

(^١) فتح الباري، مرجع سابق (٩/ ٩٩).
(^٢) قاله البيهقي في "شُعب الإيمان"، مرجع سابق (١/ ٢٤٧).
(^٣) الكشاف، مرجع سابق (ص ٢٣٧).
(^٤) انظر: المرجع السابق (ص ٥٨١، ٥٨٢).

1 / 423