414

The Approach of Al-Qurtubi in Resolving Apparent Contradictions in Verses in His Book Al-Jami' Li-Ahkam Al-Qur'an

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

وأوْرَد القرطبي مَا رواه البخاري (^١) ومسلم (^٢) مِنْ حَدِيث ابنِ مَسْعُود ﵁ قَال: قَال لي رَسول الله ﷺ: اقْرَأ عَليّ. قُلتُ: أقْرَأ عَليك وعَليك أُنْزِل؟ قال: إني أُحِبّ أن أسْمَعه مِنْ غَيري. فَقَرَأتُ عليه سُورة النساء حتى بَلَغْتُ: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) قال: أمْسِك. فإذا عَيْنَاه تَذْرِفَان.
ثم قال القرطبي: قال عُلَمَاؤنا: بُكَاء النبي ﷺ إنما كان لِعَظِيم مَا تَضَمَّنَتْه هذه الآيَة مِنْ هَوْل الْمَطْلَع وشِدَّة الأمْر، إذ يُؤتَى بالأنْبِياء شُهَدَاء على أُمَمِهم بالتَّصْدِيق والتَّكْذِيب، ويُؤتَى به ﷺ يَوْم القِيَامَة شَهِيدًا.
والْمَعْنَى: فَكَيف يَكُون حَال هَؤلاء الكُفَّار يَوْم القِيَامَة إذا جِئنَا مِنْ كُلّ أمَّة بِشَهِيد وجِئنَا بِك على هَؤلاء شَهِيدًا؛ أمُعَذّبين أمْ مُنَعِّمِين؟ وهذا اسْتِفْهَام مَعْنَاه التَّوبِيخ (^٣).
وفي آيَة "النحل" قال: قَوله تَعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) وَهُمْ الأنْبِيَاء، شُهَدَاء عَلى أُمَمِهم يَوْم القِيَامَة بِأنّهم قَدْ بَلَّغُوا الرِّسَالة، ودَعَوْهُم إلى الإيمان، [و] في كُلّ زَمَانٍ شَهِيد، وإن لم يَكن نَبِيًّا، وفِيهم قَولان:
أحَدهما: أنّهم أئمَة الْهُدَى الذين هُمْ خُلَفَاء الأنْبِيَاء.
الثَّاني: فَعَلَى هَذا لم تَكُنْ فَتْرَة إلَّا وَفِيها مَنْ يُوَحِّد الله، كَقسّ بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل الذي قال فيه النبي ﷺ: يُبْعَث أُمّة وَحْدَه (^٤).

(^١) (ح ٤٣٠٦).
(^٢) (ح ٨٠٠).
(^٣) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٥/ ١٩٠، ١٩١).
(^٤) رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (ح ٧٧٤)، ورواه البزار (ح ١٣٣١)، وأبو يعلى (ح ٧٢١٢)، والطبراني (ح ٣٥٠) ومن طريقه: الضياء في المختارة (ح ١١١١)، وقال الهيثمي (٩/ ٤١٨): رواه أبو يعلى والبزار والطبراني. ورجال أبي يعلى والبزار وأحد أسانيد الطبراني رجال الصحيح غير محمد بن عمرو بن علقمة وهو حَسن الحديث، وانظر في تراجم هؤلاء المذكورين: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، مهدي رزق الله. (ص ٧٢) وما بعدها.

1 / 414