405

The Approach of Al-Qurtubi in Resolving Apparent Contradictions in Verses in His Book Al-Jami' Li-Ahkam Al-Qur'an

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

وأشَار ابن عطية إلى دَلالة آيَة "يُونس" بِقَوله: أي: فَهُمْ لا يَقْدِرُون على شَيء، ولا يُؤذُونه (^١) إلَّا بِمَا شَاء الله، وهو القَادِر على عِقَابِهم لا يُعَازُّه شَيء؛ فَفِي الآية وَعِيد لَهُمْ (^٢).
وأجْرَى كَون آيَة "الْمُنَافِقُون" في الوَعِيد أيضًا، فَقَال: أعْلَمَ تعالى أنَّ الْعِزَّة لله وللرَّسُول وللمُؤمِنين، وفي ذلك وَعِيد (^٣).
ويَرى أنَّ آيَة "فاطر" تَحْتَمِل ثَلاثة أوْجُه، فقال: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ) يَحْتَمِل ثَلاثة مَعَان:
أحَدُها: أن يُرِيد (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ) بِمُغَالَبَة (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ) أي: لَيْسَتْ لِغَيْرِه، ولا تَتِمّ إلَّا لَه، وهَذا الْمُغَالِب مَغْلُوب، ونَحَا إليه مُجاهد، وقال: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ) بِعِبَادَة الأوْثَان.
ثم قال ابن عطية: وهذا تَمَسّك بِقَوله تَعالى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا) [مريم: ٨١].
والْمَعْنَى الثَّانِي: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ) وطَرِيقها القَوِيم ويُحِبّ نَيْلَها على وَجْهِها (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ)، أي: بِهِ، وعَن أوَامِرِه، لا تُنَال عِزَّته إلَّا بِطَاعَتِه، ونَحَا إليه قَتادة.
والْمَعْنَى الثَّالِث - وقَالَه الفرّاء -: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ) عِلْم العِزَّة (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ)، أي: هُو الْمُتَّصِف بِهَا.
ونَقَل الرازي عن الواحِدي قَوله: أصْل العِزَّة في اللغَة الشِّدَّة، ومِنه قِيل للأرض الصُّلْبَة الشَّدِيدَة: عَزَاز. ويُقَال: قد اسْتَعَزّ الْمَرَض على الْمَرِيض إذا اشْتَدَّ مَرَضه وكَاد

(^١) أي: النبي ﷺ.
(^٢) المحرر الوجيز، مرجع سابق (٤/ ٤٣١).
(^٣) المرجع السابق (٥/ ٣١٥).

1 / 405