ويُحْتَمل أن يَكُون فَهِم ذَلك مِنْ قَوله تَعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) الآيَة، لا أنه كان تَقَدّم نَهْي على مَا دَلّ عليه حَديث البخاري ومسلم، والله أعلم.
قلت: ويُحْتَمل أن يَكُون فَهِمَه مِنْ قَوله تَعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) [التوبة: ١١٣] (^١)؛ لأنّهَا نَزَلَتْ بِمَكَّة (^٢).
وفي قَوله تَعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: ١٤٦] قال القرطبي: اسْتِثْنَاء مِمَّنْ نَافَق، ومِن شَرْط التَّائب مِنْ النِّفَاق أن يُصْلِح في قَولِه وفِعْلِه، ويَعْتَصِم بِالله، أي: يَجْعَله مَلْجأ ومَعَاذًا، ويُخْلِص دِينه لله، كما نَصَّتْ عليه هذه الآية (^٣).
ملخص جواب القرطبي:
١ - أنَّ الآيَة الأُولى نَزَلتْ في شَأن بني أُبيرِق. أوْ أنها نَزَلتْ في شَأن وَحْشِيّ.
٢ - الْمُرَاد بِهَذِه الآيَة العُمُوم، وأنّهَا تَشْمَل جَمِيع الْخَلْق.
٣ - أنه مَا مِنْ عَبْد يُذْنِب ثم يَسْتَغْفِر الله صَادِقًا مِنْ قَلْبِه إلَّا غَفَر الله له، وهو بِمعنى السَّابق مِنْ حَيث العُمُوم والشُّمُول.
٤ - والآيَة الثَّانية - آيَة التَّوبة - خَاصَّة بِمَنْ مَات على النِّفَاق، فإنه جَعَل تفسير الآية مُرْتَبطًا بقَوله تَعالى: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا).
(^١) وعلى ذلك يُحمَل قول عمر ﵁: أتُصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ لأن عمر يرى أن ابن أبي من جملة الكفار. وكان عمر ﵁ كثيرًا ما يقول: دعني أضرب عنق هذا المنافق. قالها في غير واقعة. وفي هذه الواقعة قال عمر: يا نبي الله أتصلي على عدو الله؟ رواه ابن حبان (ح ٣١٧٦ إحسان)، وابن حزم في المحلى (١١/ ٢٠٩) وذكر الرازي في التفسير الكبير (١٦/ ١١٧) أن عمر ﵁ قال لابن أبي بعد أُحُد: اجْلِس يا عدو الله! فقد ظَهَر كُفْرُك.
(^٢) الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق (٨/ ١٩٩ - ٢٠١).
(^٣) المرجع السابق (٥/ ٤٠٤).