واسْتَبْعَد السماني أن تَكُون آية "الفرقان" نَزَلَتْ في شَأن وَحْشي، وذلك "لأنَّ هَذه الآيَة مَكِيَّة، ووَحْشِيّ إنّما أسْلَم بَعْد غَزْوة حُنَين والطَّائف في آخِر عَهْد النبي ﷺ" (^١).
وسَاق مَا جَاء عن ابن عباس أنَّ قَوله: (إِلَّا مَنْ تَابَ) يَنْصَرِف إلى الشِّرك والزِّنا، فأمَّا قَتْل النَّفْس فَقد أنْزَل الله تَعالى فيه: (وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا) الآيَة. قال ابن عباس: وهَذه الآيَة مَدَنِيَّة، وقَوله: (إِلَّا مَنْ تَابَ) مَكِّيَّة؛ فالْحُكْم في القَتْل على هَذه الآيَة، ولا تَوْبة لِقَاتِل النَّفْس.
قال السمعاني: وأمَّا عِند غَيره مِنْ أهْل العِلْم فَالتَّوبَة مِنْ الكُلّ مَقْبُولَة، وقَد بَيَّنَّا هَذا مِنْ قَبل، وظَاهِر هَذه الآيَة، وهو قَوله: (إِلَّا مَنْ تَابَ) يَدُلّ على هَذا لأنه قد سَبَق قَتْل النَّفْس (^٢).
وفي تَفْسِير سُورَة الزُّمَر قال: وقَوله: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ظاهِر الْمَعْنَى. قال أهل التفسير: يَغْفِر الذُّنُوب جَمِيعًا إن شَاء.
ورُوي أنه لَمَّا نَزَلَتْ هذه الآية قال رجل: يا رسول الله، ومَن أشْرَك؟ فَسَكَتَ النبي ﷺ، ثم قال: ومَن أشْرَك؟ قال: إلَّا مَنْ أشْرَك (^٣).
وذَكَر الثعلبي الْخِلاف في أسْبَاب النُّزُول، فذَكَر مَا قَاله الكَلبي: نَزَلَتْ في الْمُشْرِكِين، وَحْشِيّ بن حَرب وأصْحَابه.
وقَول مُقاتِل: نَزَلَتْ هَذه الآيَة في اليَهُود: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) فَمَشِيئتُه لأهْل التَّوحِيد.
(^١) وعند من يقول بهذا القول أن آية "الزمر" مدنيَّة، كما سيأتي نقله عن ابن عطية.
(^٢) تفسير القرآن، مرجع سابق (٤/ ٣٣) باختصار.
(^٣) المرجع السابق (٤/ ٤٧٦). والمعنى: إن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن شاء، إلا من أشرك إلا أن يتوب من شركه.