تخلیص العاني
كتاب تخليص العاني من ربقة جهل المعاني للقطب اطفيش تحقيق محمد زمري
كالمرايا المتقابلة ينعكس إلى كل منها ما ارتسم في الأخرى، والوهمية سلطان تلك القوى، فلها تصرف في مدركاتها، بل لها تسلطات على مدركات العاقلة فتنازعها فيها وتحكم بخلاف أحكامها. والجامع العقلي بين كل شيئين من الجملتين يكون إما باتحاد عند التصور العقل لهما، وإما بتماثل في الماهية مع اختلاف في العوارض كزيد وعمرو في تماثل المسند إليهما، وكالأبوة لعمرو والأبوة لخالد في تماثل المسندين في قولك: " زيد أب لعمرو وبكر أب لخالد "، وإما بتضايف..والعقل شأنه إدراك الكليات، وإنما يتحقق كون المعنى كليا بتجريد يده عن المشخصات الخارجية، وذلك أن العقل على زعم الحكماء مجرد عن العناصر الأربعة ولواحقها، فلا يرسم فيه إلا الكلي المجرد عن الأمور الخارجية، أو الجزئي المجرد. وإنما يدرك الجزئي الجسماني أو الوهم. وإنما قلنا: يدرك بواسطة الآلة لأنه لا يحكم بالكلي على الجزئي، والحكم فرع التصور.
وعند المسلمين العقل يدرك كل شيء بواسطة وبغيرها، وتقدم أن المدرك حقيقة هو النفس والقوى آلات، فهي تدرك الجزئي بواسطة الحس ثم تجرده فتدركه كليا بواسطة العقل، والعقل يرفع التعدد بين الشيئين بسبب تجريدهما عن مشخصاتهما خارجا فحينئذ يصيران شيئا واحدا عند المفكرة كالمتحدين، وإنما يصيران متحدين إن كان المجرد مشتركان، وإن انتزع من هذا كلي ومن هذا آخر لم يرتفع التعدد، مثل أن تعلم من زيد أنه رجل أحمر فاضل ومن عمرو أنه رجل أسود جاهل.
مخ ۶۳