تحقیق الآمال فيما ینفع المیت من الاعمال
تحقيق الآمال فيما ينفع الميت من الأعمال
تحقيق الآمال فيما ينفع الميت من الأعمال
www.izbacf.org
أعد هذا الكتاب إلكترونيا
قطب الدين بن محمد الشروني الجعفري
للتواصل
viva_intifada@hotmail.com
مخ ۱
مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ومولانا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطاهرين، وصحبه الراشدين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد ..
فإن مما يقضي منه العجب -وما حييت أراك الدهر عجبا- مما يظهر في الساحات من مدعي السلفية من النهي عن قراءة القرآن إلى روح الأموات.
وهذا كتاب بين يديك قام بتأليفه فضيلة السيد العلامة الكبير، المحقق الشهير، ناشر العلم في الحرمين الشريفين؛ محمد بن السيد علوي عباس المالكي الحسني المكي حفظه الله، وقد جاء مؤلفا لم يسبق إلى مثله، جمع فيه أقوال علماء السلف من الصحابة والتابعين، وفقهاء الإسلام، وحفاظ الشريعة الإسلامية، في مشروعية تلاوة القرآن وأنواع المبرات التي تنفع الأموات، وسماه (تحقيق الآمال فيما ينفع الميت من الأعمال)، ولقد أتى فيه بالحق المؤيد بالدليل الذي لا يماري فيه إلا متعصب لا يقبل الحق، أما المنصف الذي يطلب الحق ففيه ضالته المنشودة، وطلبته المقصودة، فاشدد به يديك، وعض عليه بناجذيك. فما أحوج الميت إلى الصلة بالمبرات وأنواع الطاعات التي تخفف من أثقاله، وتزيد في صالح أعماله، وقد انقطع عنه عمله إلا ما كان من سعيه، وما وصله به إخوانه وأهله وجيرانه، من دعاء، أو تلاوة قرآن، أو صدقة، أو حج، أو عمرة، فبفضل الله تعالى ينفعه ذلك ويزيد في حسناته ولا ينقص من أجر التالي والمتصدق شيء بفضل الله وكرمه فهو أكرم الأكرمين.
مخ ۲
وقد شهدت موقفا من مواقف المتعصبين في أحد المساجد بصنعاء، وقد أحدثوا ضجة في المسجد بسبب قراءة (يس) على ميت، ويقولون في حجتهم إن حديث: ((اقرءوا (يس) على موتاكم)) حديث ضعيف لا يجوز العمل به. فأجبت عليهم أن الحديث من قسم الحسن كما ذكره جلة العلماء ولسنا بحاجة إلى الاستدلال به، ولنا دليل من أقوى الأدلة، وهو الأصل في جواز تلاوة القرآن -(يس) وغيره- للأحياء والأموات من غير فرق وفي كل زمان ومكان. ومن ادعى منع ذلك فعليه الدليل الصحيح الصريح الذي يصلح مانعا لدليل الأصل، فتفضلوا بدليل ينهى عن قراءة القرآن على الأموات، وهيهات هيهات لا يوجد ذلك، بل الدليل الصحيح الحث على قراءة القرآن في كل حال إلا حالة الجنابة والحيض والنفاس، وأن ((من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف..)) الحديث بطوله، وبقي لنا الاستدلال بحديث ((إقرؤا (يس) على موتاكم)) استظهارا وتقوية.
قالوا: لم يفعله الصحابة، ولا أمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قلت لهم: الترك وعدم العمل لو سلمنا به ليس بدليل، فالدليل هو قوله صلى الله عليه وآله وسلم وفعله وتقريره، والترك ليس بحجة، كيف وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما تركته فهو عفو)) أي جائز، نص الحديث: قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما أحل الله فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا)) أخرجه البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء بسند حسن.
وروى الترمذي وابن ماجة من حديث سلمان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((الحلال ما أحل الله، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه))، وللحديث طرق أخرى. وهذا كما لا يخفى مؤيد لدليل الأصل وهو الجواز.
مخ ۳
ثم نقول: قد أمر صلى الله عليه وآله وسلم قولا بقوله: ((اقرؤا (يس) على موتاكم)) وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وحفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده))، رواه أبو داود من حديث أبي هريرة بسند صحيح، فما المانع من ثبوت هذه الجوائز العظيمة والمغانم الكريمة لمن يتدارسون (يس) أو غيرها بنية الأحياء أو الأموات لإطلاق الحديث، أليس في هذا الكفاية للدلالة على المشروعية مع دليل الأصل؟ هل لديكم ما يعارضه أصح منه أو مثله؟ تفضلوا. فبهتوا وانقطعوا ولم يقتنعوا.
ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة
بين الرجال ولو كانوا ذوي رحم
وكما ورد في خصوص الموضوع الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه، وأبو داود في سننه: سأل رجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: هل بقي شيء من البر أبر به أبوي بعد موتهما؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما)) رواه مسلم وأبو داود، وهذا من التنصيص على بعض أفراد العام، وورد في القرآن الكريم: {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا}[الإسراء:24]، وقد أثبت هذا المشهد لبيان ضعف حجة المانعين.
مخ ۴
وممن ذهب إلى وصول ثواب القرآن وكل الأعمال الصالحة إلى الأموات أئمة الآل الكرام، وشيعتهم الفخام، وكثير من العلماء المحققين الأعلام، انظر كتاب جمع الشتيت للإمام محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني رحمه الله، وتكاد أن تكون المسألة وفاقية بين المحققين -كما ستقف على كلام أئمة المذاهب في هذه الرسالة النفيسة- ولم يظهر الخلاف الكبير والتعصب المقيت إلا في هذا العصر على أيدي المتجاهلين لما ورد في المسألة، والخطب يسير والمسألة طاعة لله وعبادة، فمن نهى عنها فهو يأمر بعقوق الوالدين وقطيعة الأرحام والأقارب بعد الموت، والله تعالى ورسوله يأمران ببرهم أحياء وميتين، وفيه أيضا نهي عن طاعة الله وعبادته كما ذلك معلوم.
وجزى الله مؤلف الرسالة خير الجزاء، ونفع بها المؤمنين، وقد أذن فضيلة المؤلف حفظه الله بإعادة طبع الرسالة مرة ثانية كما ترى إذنه بتوقيعه بطبعها لمؤسسة الإمام زيد الثقافية المباركة، فنرجو أن تعاد الطبعة بصورة تسر الناظر وتشوق القارئ المنصف كما هو عادة المؤسسة فيما نشرته من التراث الإسلامي، بارك الله فيها وجزى الله القائمين عليها خير الجزاء آمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطاهرين، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
بتاريخه 1 شهر شوال سنة 1423ه
كتبه/ محمد بن علي بن محمد بن المنصور وفقه الله
عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء
عضو جميعة علماء اليمن
صنعاء
مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فهذه رسالة تحتوي على بحوث علمية مهمة في وصول ثواب القراءة للأموات، وغيرها من الأعمال الصالحات، وما يتعلق بذلك من التلقين والجلوس للعزاء، وسميتها: (تحقيق الآمال فيما ينفع الميت من الأعمال).
مخ ۵
نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بها وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، إنه سميع قدير، وبالإجابة جدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
اللهم، إنا نسألك العفو والعافية، في الدين والدنيا والآخرة، والمال والأهل والبدن.
اللهم إنا نسألك الرضا، والعفو عما مضى، واللطف فيما جرى به القضا.
وصلى الله وسلم على خاتم رسله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه الفقير إلى الله تعالى
السيد/ محمد بن السيد علوي المالكي الحسني
خادم العلم الشريف بالبلد الحرام
مخ ۶
{وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}
قال الله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}[النجم:39].
هذه الآية الكريمة من النصوص المهمة التي يتمسك بها كثير ممن يجرون وراء ظواهر الألفاظ وعمومات النصوص المطلقة دون مراعاة للأصول والقرائن الأخرى التي تفيد تخصيصا أو تقييدا للنص، والتي يجب أن لا تفهم النصوص العلمية إلا بها لتدور جميعا في فلك واحد، وتأتي متناسبة مترابطة في نسق واحد يليق بصاحب الشريعة المحفوظ من التناقض والتعارض، إذ لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
فظاهر هذه الآية يفيد نفي انتفاع الميت بأي شيء بعد موته، لأنه ما أثبت له إلا ما سعى فيه، ومحل سعيه هو الدنيا، لكن هناك نصوصا أخرى تثبت انتفاعه بغير سعيه كما سيأتي في هذا البحث، ولذلك فإن المحققين من علماء السنة وخصوصا المنصفين من أئمة السلفية مثل الشيخ ابن تيمية وابن القيم الذين فهموا الآية هذا الفهم الصحيح أثبتوا انتفاع الميت بعمله وعمل غيره، وبينوا معنى الآية والتوفيق بينها وبين النصوص الأخرى الواردة في هذا الموضوع.
مخ ۷
قال العلامة الشيخ فخر الدين عثمان بن علي الزيلعي في شرحه على كنز الدقائق في باب الحج عن الغير: وأما قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} فقد قال ابن عباس: إنها منسوخة بقوله تعالى: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان...} الآية [الطور:21]، وقيل: هي خاصة بقوم موسى وإبراهيم عليهما السلام لأنه وقع حكاية عما في صحفهما لقوله تعالى: {أم لم ينبأ بما في صحف موسى ، وإبراهيم الذي وفى}[النجم:36،37]، وقيل: أريد بالإنسان الكافر، وأما المؤمن فله ما سعى أخوه، وقيل: ليس له من طريق العدل، وله من طريق الفضل، وقيل: اللام في (الإنسان) بمعنى (على)، كقوله تعالى: {وإن أسأتم فلها}[الإسراء:7]، أي عليها، وكقوله تعالى: {لهم اللعنة}، أي عليهم، وقيل: ليس له إلا سعيه، لكن سعيه قد يكون بمباشرة أسبابه، بتكثير الإخوان، وتحصيل الإيمان، حتى صار ممن تنفعه شفاعة الشافعين، وأما قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث)) فلا يدل على انقطاع عمل غيره، والكلام فيه وليس فيه شيء مما يستبعد عقلا لأنه ليس فيه إلا جعل ما له من الأجر لغيره، والله تعالى هو الموصل إليه، وهو قادر عليه، ولا يختص ذلك بعمل دون عمل. ا ه.
مخ ۸
تحليل نفيس لشارح العقيدة الطحاوية
ذكر الشيخ ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية مسألة انتفاع الميت بعمل غيره مما لم يتسبب فيه، ورجح القول به، وذكر الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس عليه، ثم قال في الجواب عن الآية التي يتمسك بظاهرها المانعون:
والجواب عما استدلوا به من قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}[النجم:39]: قد أجاب العلماء بأجوبة، أصحها جوابان:
أحدهما: أن الإنسان بسعيه وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء، وأولد الأولاد، ونكح الأزواج، وأسدى الخير، وتودد إلى الناس، فترحموا عليه، ودعوا له، وأهدوا له ثواب الطاعات، فكان ذلك أثر سعيه، بل دخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين إلى صاحبه في حياته وبعد مماته، ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم.
يوضحه: أن الله تعالى جعل الإيمان سببا لانتفاع صاحبه بدعاء إخوانه من المؤمنين وسعيهم، فإذا أتى به فقد سعى في السبب الذي يوصل إليه ذلك.
الثاني: وهو أقوى منه أن القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره، وإنما نفى ملكه لغير سعيه، وبين الأمرين من الفرق ما لا يخفى، فأخبر تعالى أنه لا يملك إلا سعيه، وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه فإن شاء أن يبذله لغيره وإن شاء أن يبقيه لنفسه. وقوله سبحانه وتعالى: {ألا تزر وازرة وزر أخرى ، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}[النجم:38،39]، آيتان محكمتان تقتضيان عدل الرب تعالى، فالأولى تقتضي أنه لا يعاقب أحدا بجرم غيره، ولا يؤاخذه بجريرة غيره كما يفعله ملوك الدنيا، والثانية تقتضي أنه لا يفلح إلا بعمله لينقطع طمعه من نجاته بعمل آبائه وسلفه ومشايخه، كما عليه أصحاب الطمع الكاذب، وهو سبحانه لم يقل لا ينتفع إلا بما سعى. ا ه.
مخ ۹
((إذا مات ابن آدم انقطع عمله))
ومن النصوص المهمة المتصلة بالآية الكريمة الحديث الصحيح المشهور: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)).
وقد شرح هذا الحديث سيدي الوالد الإمام علوي بن عباس المالكي الحسني رحمه الله، فقال: قوله: ((إذا مات ابن آدم ...)) اعلم أن انقطاع ذات العمل بالموت أمر ظاهر، إذ الميت لا يعمل ولا يكلف بعد الموت، وإنما المقصود أن بعض الأعمال تستثمر آثارها حتى بعد الموت فلا ينقطع أجرها بتكرر ذلك. ولذا قال: ((إلا من ثلاث)) أي إلا من خصال ثلاث: ((صدقة جارية)) أي غير منقطعة كحفر بئر، ووقف مصحف، وبناء مسجد ورباط، وقوله: ((أو علم ينتفع به)) يعني به العلم الشرعي: الذي ينتفع به، ويترتب عليه الفوز بالنعيم المقيم والنجاة من العذاب الأبدي. ويدخل في ذلك: تأليف الكتب ووقفها. لأن المراد مطلق الانتفاع: بالمباشرة والتسبب. وقوله: ((أو ولد صالح)) أي مسلم ((يدعو له)): لأنه من كسبه. وقد تفضل الله تعالى بكتابته مثل ثواب سائر الحسنات التي يعملها الأولاد دون آثام السيئات.
وبما تقرر، علم أنه لا حصر في هذه الخصال الثلاث، لأن مفهوم العدد غير حجة، أو لأنه عليه الصلاة والسلام اطلع على الثلاث ثم أطلعه الله على الزائد فضلا منه وإحسانا، لما أخرج ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علما نشره، وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورثه، ومسجدا بناه، وبيتا لابن السبيل بناه، ونهرا أجراه، وصدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلحقه من بعد موته)).
فهذا الحديث احتوى على سبع خصال تضم إلى الثلاث الأول: تبلغ عشرا. وقد زاد السيوطي عليها واحدة أيضا. وقد نظم ذلك بقوله:
إذا مات ابن آدم ليس يجري عليه من خصال غير عشر
مخ ۱۰