تفسير سورة الفاتحة
تفسير سورة الفاتحة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده بواسطة الأمين جبريل ، مصدقا لما بين يديه من التوراة والإنجيل ، ليكون للعالمين نذيرا ، وليخرج الناس من الظلمات إلى النور ، فهدى إلى التي هي أقوم من الأمور ، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا .
وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة واستهلكوا في الكفر من العمر آخره ، أبوا من الانقياد ، سيدعون ثبورا غدا في المعاد ، وسيصلون سعيرا ، أنزله بعمله للإفادة كما أراده . فأخرجه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة ، فقرع به أسماع مسامع السرائر ، من أولي الألباب أولي النهى والبصائر ، تشويقا أو تخويفا أو تحذيرا ، وأودع في طي خزائن غوامض دقائق عويصات أنوار أزهاره ، ودائع مكنون لآلئ يحار حقائق مصونات أسرار أثماره ، فهدى بالكشف إلى ذلك من بنوره ينظر فكان بصيرا ، وحلى كمال صياغة بلاغه مطالع كلامه بحلى جمال براعة مقاطع ختامه ، فكفى به خبيرا ، وجلا بطلوع لوامع جوازم قواطع صوارم جوامع أحكامه سدف ليالي جو الجهالات تنويرا . وأبان عن معالم صراط الهدى وأماكن مغانم التقى ، ومكامن مظالم الهوى بظهور سطوع أدلة أنوار مناره ، ومجامع أسراره معاني أذكار أخباره ، لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا .
مخ ۴
وحرس أبواب مغاني سماء مباني آياته ، عن استراق شيء بالنقص أو المزيد في ذاته ، وكان المعيار الصحيح ، والمعيار النجيح محكم الآيات ، مجردا في النظام عن الخلل في الكلام ، لا يقبل الزلل في الأحكام أو في شيء من الأحوال ، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ، على أنه في تأليف كلامه وعجيب نظامه لقرآنه تراكيب ألفاظه العجيبة ، وعدم تناهي معانيه الغريبة - مع شدة إجازه - قد اقتضى كون اعجازه من رام عزما أن يعارضه نطما ، فتحدى لذلك جميع العالمين أن يأتو بمثله ، أو سورة في صورة شكله ، وأنى لهم بذلك ولو كن بعضهم لبعض ظهيرا . والصلاة السلام على نبي الرحمة ، هادي الأمة ، محمد النبي الأمي ، الذي أراد الله بجود هالة هلاله وجوده ، في قبة سماء بهجة الدين ، من حيث أنه جعله للناس قمرا وسراجا منيرا ، وعلى آله المطهرين من القبائح من جميع العالمين تطهيرا .
(2)
أما بعد ، فقد انكشف بنور الحق البرهان ، وصار الأمر ظاهر العيان أنه لا سبيل إلى الوصول إلى الله ، والفوز في لقائه بالسعادة الأبدية ، والتنعم باللذاذات السرمدية ، إلا بوجود الرعاية ، والسير إليه في منار الهداية ، على أنوار العلم ، في عنان الحلم ، لأنه من لم يكن له نور من ربه ، فما له من نور يستدل به ، وذلك هو العلم النافع ، فالعلم هو الدليل على قصد السبيل ، إلى الملك الجليل . العلم كله القرآن وهو التنزيل ، وما بعده من العلم تفسير له وتأويل . فهو الهدى والنور ، والشفاء لما في الصدور ، من أمراض الغرور وأدواء الفجور .
مخ ۵
طوبى لمن كان على عرفات ادكاره واقفا ، وبكعبة أسراره طائفا ، فإنه العروة الوثقى ، والسبب الأوفى ، الذي من تعلق به نجا ، ومن تركه ضل وغوى ، وهلك فتردى . نعم ، ولكن على غير معرفة بتأويله ، لا يصح أن يكون تابعا له لدليله ، حتى يكون في حقه كذلك ، كلا ، بل يخاف عليه على غير ذلك ، أن تعميه أسراره ، وتحرقه أنواره ، وتجرفه وتغرقه بحاره ، مهما يكن في عومه ذا مره ، واقتحم فخاض لجته على غره ، وإذا كان الأمر في ذا لا شك أنه هكذا ولم تكن هذه التفاسير التي على المخالفين لأهل الاستقامة في الدين لغير الحق في ذلك حاليه ، لكونها في ضلال التأويل ليست خاليه . حتى صار كأن صرف العناية إلى ذلك من أكثر العناية ، لا سيما إذا لم تجد لأهل العدل من أصحابنا تفسيرا يرجع بالحق إليه ، ويقتفي أثره فتعول عليه .
مخ ۶
(3) وها نحن في هذا المنهاج ، لكثرة الطلب واللجاج ، من بعض أخواني في الله علي ، ومراجعته في ذلك إلي ، مع كوني ممن قعد به القصور ، في حضيض الضعف عن الارتقاء ، في ذروة هذا المرقى ، الشريف الباذخ ، العالي الشامخ ، المنيف . وها نحن في همة الشروع فيه ، لفتح مباديه ، على سبيل التوسط قصدا بين الإقلال المخل ، والإسهاب الممل ، فإن الاستيفاء لجميع معانيه ، حتى يؤتى على أقاصيه ، لا مطمع لنا فيه ، لكونه كان لوخم الإذكار وعوم الأفكار ، وغوص الأبصار في البحر ، الذي لا ساحل له ولا قعر . وكيف لا وهو الميدان الفسيح لمجال الاعتبار ، المستوفي على الصحيح لجميع الأعمار ، قبل البلوغ إلى آخره ، ثم لا يؤتى على عابره ، هذا وإني فيه وارد من علم اللسان ، ما لا بد منه للبيان ، ومن القرآن كل معمول به وشاذ ، ليكون للقارئ عن نسبة اللحن وكالخطأ كالملاذ ، وأسميه إن من الله علي بتمامه من فضله وإكرامه ، )) مقاليد التنزيل لإدراك حقائقه بالتأويل (( ، وأنا به سبحانه أتوسل ، وله ربي أسأل ، أن يفتح لي بابه ، وأن يهجم بي في القول والعمل على الإصابة ، وألجأ إليه ملجأ من توكل عليه ، أتضرع فأناديه ليغمرني بالإقالة من عثار الرأي وباديه ، وهو الموفق لغيره وبه التوفيق ، وهذا حين الابتداء رب يسر لإتمامه إنك سميع الدعاء ، فعال لما تشاء .
مخ ۷
(4) سورة فاتحة الكتاب وتسمى أم القرآن ، والأساس ، وفاتحة كل شيء أوله ، وأمه وأصله ، وأساسه ومبدؤه ، وما أحقها بهذا لافتتاح الكتاب بها ، وانطوائها على سياق الثناء ، على الصفات والأسماء ، الدالة على كيفية التوحيد ، وكمية التفريد ، واحتوائها على نسيج مدارج الوصول إلى الله على معارج العلم والعمل الصالح ، وكون التلمح أمر بالإقامة ، على طريق الاستقامة ، التي ليس بشيء في الوجود إلا لأجلها موجود ، مع ما اشتملت عليه من القصص وإخبارا عن حال الفريقين من المالك ، والآخر الهالك ، وما في خلال ذلك التصريح ، من خصال التلويح ، بالوعد والوعيد ، لمن لحنها ولمن ضل عن طريق الاستقامة زل ، وعلى الجملة فهي كالجملة في مبانيها ، وما عداها فكالتفصيل لمعانيها ، فهي المبدأ وذلك منها ينشأ ، وتسمى : الكافية والواقية والشافية . لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وهي شفاء من كل داء ) وسورة الحمد والشكر والدعاء والصلاة ، لاشتمالها على ذلك .
مخ ۸
(5) وتسمى السبع المثاني لأنها تثنى في كل صلاة ، بل في كل ركعة منها ، وتكفي الركعات السرية وحدها ، ولا يكفي غيرها عنها ، إذ كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج . ولها أسرار عظيمة حتى أنه يروى عن محمد الغزالي أنه ذكر أن فيها من الخواص ألفاظا ظاهرة وألفاظا باطنة ، وهي سبع آيات بالاتفاق ، مكية على الأصح ، وقيل : مكية ومدنية ، لأنها نزلت مرتين ، مرة بمكة يوم فرضت الصلاة ، ومرة بالمدينة حين حولت القبلة ، لم يشذ عنها شيء من الحروف الأبجدية ، التي عليها مدار العربية إلا سبعة لا غيرها . واختلف الناس على أقوال في ( بسم الله الرحمن الرحيم ) هل هي آية منها أم لا ؟ والحق أنها آية منها ، وأن الصلاة لا تصح على العمل لتركها ، ومختلف في النسيان فيها ولا تنازع في أنها من كلام الله إجماعا . والباء فيها للاستعانة لكن القول في العبارة عنها في التسمية لها ، فسموها بإضافة وباء استعانة وباء إلصاق ، أي تلصق الأفعال بالأسماء ، وقيل فيها أنها للمصاحبة ، وهي حرف جر يخفض ما بعده ، ولا تصح عند أهل اللسان إلا بها ، ولذلك قالوا إنها مناطة بضمير : ابدأ وقيل اقرأ .
(6)
وقد أجمع الكل فيما نعلم على حذف الهمزة لاشتهارها في القراءة دوما للخفة ، وإنما طولت الباء فيما قيل ، عوضا منها لتكون كالدليل عليها ، وكأنه في ذلك وفي مد السين تعظيم لشأن المبدأ ، والاسم هو المسمى ، وقيل غيره ، إنه صفة له وتعريف لا غيره والمسمى هو المعنى الذي أريد به الاسم .
مخ ۹
والقول الثالث لا هو ولا غيره ، والأول أصح ، لكن على شريطة إرادة الذات من الشيء المسمى لا اللفظ نفسه مجردا عن نفس المراد به ، فإن ذلك لا شك فيه فإنه غيره لترادفه وتجزئه وتغايره في الكيفيات ، وتعداده وتقطعه حروفا في الأصوات ، واختلافه في اللغات ، وتباينه في الهيئات ، وكأنه في نفس البداية بالبسملة تشويق للمريدين ، وترويح لقلوب الخائفين ، وتطميع لأنفس المشتاقين ، واستحثاث للسالكين ، وتنشيط للمقبلين ، واستدعاء للمرتدين ، واستعطاف للمذنبين ، وإشارة لطيفة من الله لأهل الألباب ، على أن الرحمة قريبة ممن تعرض لنفحاتها ، والاستنشاق لمبادئها رجاء أن يغمر أقاصها ، قائلا في مقاعد شكره ومعاهد ذكره .
(7)
مخ ۱۰
( الحمد لله رب العالمين) فالحمد عبارة عن الثناء كالمدح ، لكن الفرق بينهما أن الحمد يكون على الأمور الإختيارية ، المجردة من شائبة الإجلال ، لنقص أو فساد على حال . والمدح إطلاق الثناء على الجهل بلا تخصيص ، فكأنه أعم ، والحمد أخص . وقيل هما مترادفان على مسمى ، وكلاهما لمعنى ، والتعريف للعهد . ويحتمل أن يكون لإستغراق الجنس لأن حمده مستغرق كل حمد لغيره ، إذ ما بكم من نعمة فمن الله ، ليس للمزيد فيه موضع ولا للنقص فيه مفرع . والجملة وإن كانت كأنها في معرض الخبر صورة ، فإنها لمن الواجبات في حقه على العبد ، المكلف بها عند نزول البلية بها أو شيء منها ، وكأنه نوع من الشكر إلا أنه من وظائف اللسان ، والشكر عام لأركان مقامات الإيمان ، ودرجات الإحسان . وفي الحديث الحمد رأس الشكر ولا خلاق من الحمد لمن لم يكن له من الآداب الشرعية والخلق الرحمانية خلاق . كلا ، وليس المجرد عن النقائص إلا الإله جل جلاله ، وكلما كان لغيره ممن حمده بل ليس ذلك يكون كذرة من صفات مجده ، ونعوت حمده ، وكأنه بالإضافة إلى حمده كاد ألا يستحق إن يسمى حمدا ، لنقصه وقصوره عن كمالات الحمد ، محتاجا للتكميل إلى أدمة التصقيل ، فلأمضاها من حيث المناسبة بين الحمدين جزما .
مخ ۱۱
والله من حقت له العبادة وثبت له محض السيادة ، وهو الذي لفرط الاحتياج إليه ، تأله كل المألوهات إليه بحالها إيجادا من العدم ، وإمدادا بالنعم ، وحده لا شريك له ، وما كان هو الإله وما عداه مألوها لم يجز أذن يطلق على غيره نعم ، ولذلك كاد ألا يستأهل غيره أن يحمد ، فضلا أن يعبد ، وأنى لأميل إلى أن هذا هو الاسم الأعظم لذاته ، لأنه كالجامع لكل الصفات العليا ، وإليه تنضاف جميع الأسماء الحسنى ، حتى إنه يمكن بالفهم إخراج جميع التوحيد من مفهومات معانيه . وقد قيل في اشتقاقه أقوال ، أكثرها أولى أن يترك لانحطاطه عن رتبة الصحيح ، لعلل تشعر فيها بخلل ، وهو قول الخليل بن أحمد وجماعة : إنه اسم علم لا اشتقاق له . وعن ابن عباس - رحمه الله - أن الله ذو الألوهية وهو الذي تأله الخلق إليه . وتفخيم لامه الثاني سنة ، وحذف ألفه ومدها ، وفي فريد الواو في هائه أو إشباع الضمير بحيث إنها تصير واوا ، كل واحد منها لحن في الإحرام تفسد به الصلاة .
(8)
والرب في كلام العرب المالك والسيد والمصلح ، وقرئ بالنصب على المدح ، والكسر أصح ، والله رب الكل قاهر ما عداه ، ومالك لما سواه ، تفرد بالألوهية ، وتوحد بالربوبية ، وذلك من صفاته وأسماء ذاته ، فلا يجوز أن يطلق التعريف فيه ولا التجريد له لغيره عن التقييد ، ولكن ربك وربه ورب كذا في أمثال ذلك .
والعالمين جمع عالم ، بفتح اللام كخاتم ، فيه عن ابن عباس - رحمه الله - أنهم الجن والإنس لقول الله تعالى : (( ليكون للعالمين نذيرا )) (الفرقان : 1) .
والقول الثاني عن أبي عبيدة أنهم أربع أمم : الملائكة ، والإنس ، والجن ، والشياطين .
مخ ۱۲
والقول الثالث جميع المخلوقات ، لقوله تعالى : (( وما رب العالمين (23) قال رب السماوات والأرض وما بينهما )) ( الشعراء : 23، 24 ) وهذا شائع أن كل جنس على الأصح عالم في نفسه على حدة ، وكون الجميع فيه بالواو والنون تغليبا لمن يعقل ، وعلى هذا فقد اختلف في حصرها فقيل ألف عالم : ستمائة قي البحر ، وأربعمائة في البر ، وقيل ثمانية عشر ألف عالم ، الدنيا عالم منها ، وما العمار في الخراب إلا كقسطاط في صحراء . وقيل ثمانون ألف عالم ، أربعون ألفا في البحر ، وأربعون ألفا في البر .
والقول الرابع لا يحصى عدد العالمين إلا الله ، لقوله تعالى : (( وما يعلم جنود ربك إلا هو )) ( المدثر: 31) وكأنه على هذا من التأويل هو الأوجه فيه والكائنات كلها شاهدة له ، لأنه ربها إذ كل شيء منها ينادي بمقاله ، على لسان حاله في حدثه أن له محدثا أحدثه لوجود شدة الحاجة منها في إيجادها ، وتوالي إمدادها ، إلى واحد واجب لذاته ، الوجود الذي لا يقبل الحدث في القدم نعم ، وكان هذا الدليل القاطع ، على وجود الصانع المتولي أمرها إبداعا وتدبيرا ، واختراعا وتصويرا ، على مقتضى المشيئة تقديرا ، صار المقتضى لظهور الحياة والقدرة ، والعلم والإرادة ، والحكمة والقوة والعزة ، والقدم والبقاء ، والإحاطة بالأشياء ، وأنه ليس كمثله شيء ، لاستحالة مماثلة الصناعة للصانع لها عقلا إلى غيرها ، مما لا يحصى من المعاني في الصفات لله الخالق لكل شيء .
(9)
مخ ۱۳