تفسير کبير
التفسير الكبير
قوله تعالى: { الذين استجابوا لله والرسول من بعد مآ أصابهم القرح }؛ يجوز أن يكون أول هذه الآية في موضع الخفض على النعت للمؤمنين، والأحسن أن يكون في موضع الرفع على الابتداء أو خبره للذين أحسنوا. ومعنى الآية: الذين أجابوا الله بالطاعة والرسول بالخروج إلى بدر الصغرى من بعد ما أصابهم الجراح؛ { للذين أحسنوا منهم }؛ أي وافوا الميعاد، { واتقوا }؛ سخط الله ومعصيته، { أجر عظيم } ، لهم ثواب وافر في الجنة.
قال ابن عباس:
" وذلك أنهم تواعدوا يوم أحد أن يجتمعوا ببدر الصغرى في العام القابل، فلما حضر الأجل ندم المشركون، فلقي أبو سفيان نعيم بن مسعود؛ وكان يخرج إلى المدينة للتجارة؛ فقال: إذا أتيت المدينة فخوفهم كيلا يخرجوا ولك عشر من الإبل إن رددتهم، فلما قدم نعيم إلى المدينة؛ وكان أصحاب رسول الله يريدون موافاة أبي سفيان؛ قال: بئس الرأي رأيتم، أتوكم في دياركم وقراركم، ولم ينفلت منهم إلا الشريد؛ تريدون أن تأتوهم في ديارهم وقد جمعوا لكم، أما إن الرجل الواحد منهم يطيق عشرة منكم، إذا والله ما ينفلت منكم إلا الشريد. فكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج إليهم وتثاقلوا، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك منهم قال: " والذي نفسي بيده لأخرجن إليهم، وإن لم يخرج معي منكم أحد " فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للميعاد، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبدالله بن مسعود وحذيفة وأبو عبيدة في سبعين رجلا حتى انتهوا إلى بدر؛ فلم يخرج أبو سفيان ولم يلقوا بها أحدا من المشركين، فتسوقوا من السوق حاجتهم ثم انصرفوا، فذلك قوله تعالى: { الذين استجابوا لله والرسول من بعد مآ أصابهم القرح } "
قالت عائشة رضي الله عنها لعبدالله بن الزبير: (يا ابن أختي؛ أما والله إن أباك وجدك - تعني أبا بكر - لمن الذين قال الله فيهم { الذين استجابوا لله والرسول } الآية).
[3.173]
قوله تعالى: { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا }؛ معناه: الذين قال لهم نعيم بن مسعود إن أبا سفيان وأصحابه قد جمعوا لكم فاخشوهم ولا تخرجوا إليهم؛ فزادهم هذا القول تصديقا ويقينا وجرأة على القتال. { وقالوا حسبنا الله }؛ أي يقينا بالله، وكافينا الله أمرهم. { ونعم الوكيل }؛ أي الناصر الحافظ، وموضع (الذين) خفض مردود على (الذين) الأول. وقد ذكر الله نعيما بلفظ الناس؛ لأن الواحد قد يذكر بلفظ الجماعة على معنى الحسن، ولهذا قالوا: من حلف وقال: إن كلمت الناس فعبدي حر، فكلم رجلا واحدا حنث.
[3.174]
قوله تعالى: { فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء }؛ أي فانصرفوا بأجر من الله وفضل؛ وهو ما تسوقوا به من السوق. وروي أنهم اشتروا أدما وزيتا وأشياء وغير ذلك بسعر رخيص فربحوا على ذلك. ومعنى { لم يمسسهم سوء } لم تصبهم جراحة ولا قتل، { واتبعوا رضوان الله }؛ في الخروج إلى المشركين؛ { والله ذو فضل عظيم }؛ بدفع المشركين عن المؤمنين.
[3.175]
قوله تعالى: { إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه }؛ أراد بالشيطان نعيم بن مسعود؛ وكل عات متمرد فهو شيطان. وقيل: معناه: ذلك التخويف من عمل الشيطان ووسوسته، وقوله { يخوف أولياءه } يعني المنافقين ومن لا حقيقة في إيمانه. { فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين }؛ أي خافوني في ترك أمري.
ناپیژندل شوی مخ