تفسیر آیات الاحکام
تفسير آيات الأحكام
حكمة التشريع
شرع الحكيم العليم (اللعان) لحكمة جليلة سامية، هي من أدق الحكم وأسماها في صيانة المجتمع، وتطهير الأسرة، ومعالجة المخاطر والمشاكل التي تعترض طريق (الحياة الزوجية) وما يهددها من متاعب وعقبات.
وعالج القرآن بهذا التشريع الدقيق ناحية من أخطر النواحي التي يمكن أن يجابهها الإنسان في حياته الواقعية الأليمة، حين يبصر بعينه (جريمة الزنى) ترتكب في أهل بيته فلا يستطيع أن يتكلم، ولا أن يجهر، لأنه ليس لديه بينة تثبت ذلك، ولا يستطيع أن يقدم على القتل (لغسل العار) لأن هناك القصاص ويبقى ذاهلا، مشتتا، محتارا، كيف يصنع!! أيترك عرضه ينتهك وشرفه يلوث، وفراشه يدنس، ثم يغمض عينيه خشية الفضيحة أو خوف العار؟ أم يقدم على الانتقام من زوجه الخائن، وذلك اللص الماكر، شريكها في الخيانة والإجرام فيكون سبيله العقاب والقصاص؟!
إنها حالات من الضيق النفسي والقلق والاضطراب لا يملك المرء لها دفعا ولا يدري ماذا يصنع تجاهها وهو يعاني هذه الأزمة النفسية الخانقة؟! وتشاء حكمة الله أن تقع مثل هذه الحوادث في أفضل العصور (عصر النبوة) وبين أطهر الأقوام (صحابة الرسول) والقرآن ينزل والوحي يتلى، ليكون درسا عمليا تربويا يتلقاه المسلمون بكل قوة، وصلابة عزم. فهذا (هلال بن أمية) يأتي بيته مساء فيرى بعينه ويسمع بأذنيه صوت الخيانة واضحا فيكبح جماح نفسه، ويغالب غضبه وثورته، ويأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره الخبر، وهو واثق من نفسه لأنها رؤيا العين ويطلب منه الرسول البينة ولكن من أين يأتي بها؟ وكيف له أن يأتي بأربعة شهود يشهدون معه لإثبات دعواه، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول له: البينة أو حد في ظهرك!! ويسمع (سعد بن عبادة) وهو سيد الأنصار ذلك فيقول يا رسول الله: إذا رأى أحدنا مع امرأته رجلا لم يكن له أن يحركه أو يهيجه حتى يأتي بأربعة شهداء، والله لأضربنه بالسيف غير مصفح عنه ويلتفت الرسول إلى أصحابه قائلا: أتعجبون من غيرة سعد والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، يطلب الرسول البينة من هلال وليس معه بينة ويشتد الأمر على الرسول وعلى أصحابه ويتحدث الناس: الآن يضرب الرسول هلالا، ويبطل بين الناس شهادته، فيقول (هلال) يا رسول الله والله إني لصادق وإني لأرجو أن يجعل الله لي منها فرجا ومخرجا وينزل الوحي على الرسول بهذه الآيات الكريمة التي أصبحت قرآنا يتلى ودرسا يحفظ ونظاما يطبقه المسلمون في حياتهم ويقول الرسول الكريم:
" أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجا ومخرجا "
فيقول هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي عز وجل.
هذه ناحية دقيقة، عالجها الإسلام بحكمته الرفيعة وجعل لها فرجا ومخرجا فشرع (اللعان) بين الزوجين، ليستر المولى على عباده زلاتهم ويفسح أمامهم المجال للتوبة والإنابة.
ولولا هذا التشريع الحكيم لأريقت الدماء. وأزهقت الأرواح في سبيل الدفاع عن (العرض والشرف) وقد يكون هناك عدوان من أحد الزوجين على الآخر فلو سمح للزوج أن ينتقم بنفسه فيقتل زوجه لكان هناك ضحايا بريئات يذهبن ضحية المكر والخبث إذ ليس كل زوج يكون صادقا؛ ولو أقيم عليه (حد القذف) لأنه قذف امرأة محصنة لكان في ذلك أبلغ الألم والضرر إذ قد يكون صادقا في دعواه فيجتمع عليه (عقوبة الجلد) و (تدنيس الفراش) فإذا تكلم جلد، وإذا سكت سكت على غيظ.
فكان في هذا التشريع الإلهي الحكيم أسمى ما يتصوره المرء من العدالة والحماية وصيانة الأعراض وقبر الجريمة في مهدها فهو (بطريق اللعان) إذ يترك الأمر معلقا لا يستطيع أحد أن يجزم بوقوع الجريمة أو بخيانة الزوجة، ولا يقطع بكذب الزوج إذ يحتمل أن يكون صادقا ثم يفرق بينهما فرقة مؤبدة تخلص الإنسان من الشقاء، وتقطع ألسنة السوء، وتصون كرامة الأسرة.
فلله ما أسمى تشريع الإسلام وما أدق نظره وأحكامه!! وصدق الله
ناپیژندل شوی مخ