392

تفسير القرآن الكريم

تفسير القرآن الكريم

ژانرونه
General Exegesis
سیمې
مصر
تفسير قوله تعالى: (فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب)
قال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران:٣٩].
«فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ»، قيل: الملائكة على ظاهرها، وقيل: المقصود بها: ملك واحد وهو جبريل ﵇.
«وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ» أي: المسجد أو مكان العبادة.
«أَنَّ اللَّهَ»: يعني: بأن الله، وفي قراءة بالكسر: بتقدير أن الملائكة أو أن جبريل قال: (إن الله).
«يُبَشِّرُكَ»، إما يُبشِّرُك، أو يَبْشُرك، البَشَرة هي ظاهر الجلد.
«بِيَحْيَى»، يحيى أصلها في لغتهم: يوحنا، ومعناها في نعمة الرب.
«مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ» أي: بكلمة كائنة من الله ﷾، وهي كلمة: كن؛ لأن هناك آية أخرى فصلت ما هي هذه الكلمة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠].
«بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ» أي: يحيى، مصدقًا بعيسى أنه روح الله وأمره وكلمته؛ لكن روح المسيح كباقي أرواح المخلوقات، أي أن قوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١] ليس المقصود البعضية أو الجزئية والعياذ بالله، لا يمكن أبدًا أن يكون المسيح جزءًا من الله ﷾ معاذ الله، هذا كفر بلا شك.
لكن المقصود بـ (من) هنا، مِن الابتدائية أي: أن ابتداء خلقه منه ﷾، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣] هل كل ما في السماوات والأرض جزء من الله؟! لا، لكن ابتداء خلقها من الله، كذلك قوله: «بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ» هي (كن).
أما قوله: «وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ» [السجدة:٩]، فكل مخلوق ينفخ الله فيه من روحه، وهذه الروح مخلوقة بلا شك خلقها الله، كما تقول: بيت الله، ناقة الله، هذه إضافة تشريف، فروح الله يعني: الروح التي خلقها الله له.
ويقول تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة:٧]، ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة:٩].
«وَسَيِّدًا» أي: متبوعًا يسود قومه ويفوقهم «وَحَصُورًا» أي: ممنوعًا من النساء من غير علة، بمعنى: أنه لا يرغب فيهن؛ بسبب اشتغاله بطاعته لله ﷾ وعبادته، فإنما يمتنع من ذلك عفة وزهدًا واجتهادًا في الطاعة؛ لأن هذا بلا شك وارد في سياق الثناء على يحيى ﵇، فالثناء يكون بالأمر المكتسب، لا بالأمر الجبلي، بهذا يبطل قول بعض المفسرين: إنه كان عنينًا لا يأتي النساء.
وصيغة (حصور) بوزن فعول، وهي بمعنى: حاصر، أي: أنه يحصر نفسه عن الشهوات، ونقول: إن هذا لعله كان في شرعهم، أما شرعنا فهو بخلاف ذلك، فإنه لا يمدح الإنسان بالزهد في هذا الأمر، بل بالعكس حرض نبينا ﷺ على هذا، ونهى عن التبتل كما نهى عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه، وكما نهى أبا هريرة عن الاختصاء، وكما قال في حديث الرهط الثلاثة: (وأنكح النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).
إذًا: ديننا وشرعنا بخلاف ذلك، وإنما فيه حث وتحريض على النكاح، أما الرهبانية في هذه الأمة فهو الجهاد، وقال ﵊: (تناكحوا تناسلوا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة)، وفي حديث عياض بن حمار المشهور في صحيح مسلم، قال ﵊: (وأهل النار خمسة)، فذكر من أهل النار: (الضعيف الذي لا زبر -أي: لا عقل- له، والذين هم فيكم تبعًا لا يبغون أهلًا ولا مالًا)، أي: من لا يطمح في أن يتزوج ويكون له أهل أو يجتهد في توسيع رزقه.
قوله: (لا يبغون أهلًا ولا مالًا)، هذا من دناءة الهمة وخستها، يقول: حتى لا أتحمل المسئولية، وإذا انضم إلى ذلك ما يدعو إليه من الفواحش، فإن الأمة تصير إلى المهالك والمفاسد.
«وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ»، أي: ناشئًا من الصالحين؛ لأنه من ذرية قومٍ صالحين ومن أصلابهم، أو كائنًا من جملتهم، والصالح: هو الذي يؤدي لله ما افترض عليه، ويؤدي إلى الناس حقوقهم، هذا حد الرجل الصالح.
وروي (أنه لم يعمل خطيئة ولم يهم بها ﵇.

23 / 27