فصل: وإذا لم يصم الثلاثة أيام قبل يوم النحر-أعني المتمتع والقارن-فقد اختلفوا في ذلك؛ فقال عمر وابن عبّاس وابن جبير: (لا يجزيه إلاّ الهدي، ولا يحلّ إلاّ به).وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وقال ابن عمر وعائشة: (يصوم أيّام منى) وهو قول مالك. وقال عليّ كرّم الله وجهه: (يصوم أيّام التّشريق) وهو قول الشافعيّ.
والفائدة في قوله: ﴿(تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ)﴾ أنه كان يجوز أن يتوهّم متوهّم أن البدل لا يلحق بالمبدل في الثواب؛ فبيّن الله تعالى أنه في الكمال بمنزلة المبدّل أن لو فعله.
ويقال: إنّ (الواو) قد جاءت في القرآن بمعنى (أو) التي للتخيير كما في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ (^١) فربّما يتوهّم أن هذا مثل ذلك؛ فأكّد الله تعالى صوم العشرة كلّها بقوله: ﴿(تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ)﴾ لإزالة هذا الإشكال.
فصل: اختلفوا في حاضر المسجد الحرام؛ فقال عطاء ومكحول: (هم كلّ من دون المواقيت إلى مكّة) وهو قول أبي حنيفة وأصحابه؛ إلا أنّ أبا حنيفة وأصحابه يقولون: (أهل المواقيت بمنزلة من دونها؛ لأنّهم كلّهم في حكم أهل مكّة يجوز لهم دخولها بغير إحرام).وقال ابن عبّاس ومجاهد: (هم أهل الحرم) وقال الحسن وطاوس ونافع: (هم أهل مكّة).وقال الشافعيّ: (هم من كان داره دون اللّيلتين من مكّة؛ وذلك مقدار أقرب المواقيت إلى مكّة).
وظاهر قوله تعالى: ﴿(ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ)﴾ يقتضي الإشارة إلى الهدي والمتعة جميعا؛ فلا يباح المتعة والقران لأهل المواقيت ومن دونها إلى مكة. وذهب الشافعيّ إلى أن قوله: (ذلك) إشارة إلى الهدي دون المتعة والقران، فتجوز عنده المتعة والقرآن لأهل مكّة، ولكن لا هدي عليهم.
قوله ﷿: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ؛﴾ في هذه الآية تقدير حذف مبتدأ؛ تقديره: مدّة الحجّ أشهر معلومات. ويقال: الحجّ في أشهر معلومات. وقوله:
﴿غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ﴾ (^٢) أي مدّة غدوّها ومدة رواحها.
(^١) النساء ٣/.
(^٢) سبأ ١٢/.