تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
واعلم أن إخراج آدم وحواء من الجنة وإهباطهما إلى الأرض لم يكن على وجه العقوبة، لأن الدليل قد دل على أن الأنبياء لا يجوز عليهم ما يوجب الذم والعقاب لهم عليه. ومن أجاز العقاب للأنبياء (عليهم السلام) فقد أساء عليهم الأدب، وأعظم الفرية على الله، وذلك لأن مقامهم بحسب الباطن عالم القدس العقلي، ومحل العصمة عن الشرور، والطهارة عن الخبائث الطبيعية، والأرجاس البدنية.
وإنما أخرج الله آدم من الجنة لأن المصلحة قد اقتضت تناوله من الشجرة، والحكمة الإلهية قد قدرت إهباطه إلى الأرض، وابتلاءه بالتكليف والمشقة تكميلا للسعادات، واخراجا للذريات من ظهره، وبثا للخيرات، وانفتاحا لأبواب البركات، فإن الرحمة الإلهية لما لم يجز وقوفها عند حد، يبقى وراءها الإمكان الغير المتناهي. لأن قوته غير متناهية، وجوده غير محصور عند حل ليكون الفائض من رحمة وجوده قدر متناه.
ثم أشرف الحوادث البدنية هي الأرواح الإنسية، المتعلقة بالقوالب البشرية، ولا يمكن خروج جميع النفوس الناطقة من القوة إلى الفعل دفعة واحدة على سنة الابداع، لا مع الأبدان.
فلا بد من تكثير هذا النوع الإنساني الذي تعلقت العناية الأولية بتدبير أفرادها، وتكثير أفرادها من التوالد والتناسل قرنا بعد قرن إلى يوم القيامة، ففي كل مدة يفيض من عالم القدس الإلهي نفوسا إنسانية، يرجع ما كمل منها بالعلم والتقوى إلى الوطن الأصلي، والمكان العالي، وما لم يكمل يمكث في بعض البرازخ السفلية أزمانا طويلة، أو قصيرة، وأحقابا كثيرة، وقليلة بحسب كثرة العوائق والأوزار وقلتها، وإذا كان الاعتقاد فاسدا، والجهل راسخا، كان العقاب أبديا والخلاص مستحيلا.
فصل
في بيان عصمة الأنبياء عليهم السلام وما ذكر فيها على طريقة المتكلم
لا شبهة في أن النبي لا بد في إثبات نبوته ورسالته من معجزة، تقتضي صدق دعواه للنبوة، وما يتعلق بها من التبليغ وشرعية الأحكام، فما يتوهم صدوره عن الأنبياء من القبائح إما أن يكون منافيا لما تقتضيه المعجزة كالكذب فيما يتعلق بالتبليغ أولا. والثاني: إما أن يكون كفرا، أو معصية غيره. والثاني: إما أن يكون كبيرة كالقتل والزنا، أو صغيرة. والثانية: إما أن تكون منفرة كسرقة لقمة، أو التطفيف بحبة. أو غير منفرة ككذبة، أو همة بمعصية. كل ذلك إما عمدا أو سهوا. بعد البعثة، أو قبلها.
والجمهور من الإسلاميين اتفقوا على وجوب عصمتهم عما ينافي مقتضى المعجزة وما يتعلق بالتبليغ - وإلا لارتفع الوثوق بالأداء - واتفقوا على أن ذلك كما لا يجوز عمدا، لا يجوز سهوا. وقد جوزه القاضي سهوا زعما منه أنه لا يدخل في التصديق بالمعجزة.
واتفقوا أيضا على وجوب عصمتهم عن الكفر، وقد جوزه الأزارقة من الخوارج، بناء على تجويزهم الذنب، مع قولهم بأن كل ذنب كفر. وجوز بعض فرق الشيعة إظهاره تقية واحترازا عن إلقاء النفس في المهلكة. ورد بأن أولى الأوقات بالتقية ابتداء الدعوة، لضعف الداعي وشوكة المخالف.
وكذا عن تعمد الكبائر بعد البعثة، فعند الأشاعرة سمعا، وعند غيرهم عقلا وجوزه الحشوية إما لعدم دليل الامتناع لهم، وإما لما سيجيء من شبه الوقوع.
ناپیژندل شوی مخ