تفسیر صدر المتألهین
تفسير صدر المتألهين
[الأنعام:94].
وفي كلام أمير المؤمنين (عليه السلام): " رحم الله امرئا أعد لنفسه، واستعد لرمسه، وعلم من أين؟ وفي أين؟ وإلى أين؟ ".
وفي كلامه (عليه السلام) أيضا: " وليحضر عقله، وليكن من أبناء الآخرة، فإنه منها قدم، وإليها ينقلب ".
وفي كلامه (عليه السلام) أيضا في بيان ماهية النفس ومبدئها ومعادها: " إعلم أن الصورة الإنسانية هي أكبر حجج الله على خلقه، وهي الكتاب الذي كتبه بيده، وهي الهيكل الذي بناه بحكمته، وهي مجموع صور العالمين، وهي المختصر من اللوح المحفوظ، وهي الشاهد على كل غائب، والحجة على كل جاحد، وهي الطريق المستقيم إلى كل خير، وهي الصراط الممدود بين الجنة والنار ".
وفي كلمات الحكماء الراسخين إشارة لطيفة، ورموز شريفة إلى هبوط النفس وصعودها، وحكايات مرشدة إلى ذلك.
ومنها قصة سلامان وأبسال التي ذكرت في مقامات العارفين، ومنها قصة الحمامة المطوقة المذكورة في كتاب كليلة ودمنة، ومنها حكاية الطير المذكورة في رسالة لأبي علي بن سينا، ومنها حكاية حي بن يقظان. يفهم من كل منها أن للنفس قبل وجودها في هذا العالم وجودا سابقا، وفطرة أولية أصلية في المراتب المتقدمة، وأن لها بعد هذا الوجود رجوعا وعودا إلى ما هبطت منه إن لم يعقها عائق عن الرجوع إلى أصلها.
قال بعض الحكماء مشيرا إلى ذلك: إني كنت في هورقليا مع الخلان، والرفقاء، والاخوان، والآباء، في فضاء فسيح شديد البهاء، كثير الضياء، أبدع الله بعلمه القديم صور الكائنات في أحسن تقويم، فيها رياض خضر كان بينها نسج ديباج من الزهر، والنور، والزعفران، في أواسطها أنهار تجري على حصاة كأنها الدر، والياقوت، والمرجان، فيها بيوت علاية، وقصور شاهقة، فيها سرر مرفوعة، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة يطاف عليها ولدان وغلمان، وحور حسان لم يطمثهن قبلهم إنس ولا جان. وقد استعمل أبي الفلاحة في الأصقاع وتزيين البقاع بالعمارة.
فبعثني يوما لتعمير قطر، فإذا أنا بحمام كدر وغار مظلم منقوش بصورة العالمين، استقر فيه أبناء الجن والشياطين العارفين بعلم السيمياء، القادرين على إراءة الأشياء لا على ما هي عليها.
فشاهدت عجائب عديدة وغرائب كثيرة. منها أن رجلا في مزبلة عليها سماد طرية، وجيف منتنة، ويسأل الله أن يثبته على هذه الحالة أبدا. ومنها أن رجلا ضعيفا عاجزا به أوجاع وجراحات لا تحصى كثرة في خربة من المغارة المنقوشة يزعم ويدعي أن تلك الخربة عمارات، وتلك الجراحات وتلك النقوش والصور خدمه، وحشمه، وهو ملك عظيم قدير، يعاقب من يشاء، ويرحم من يشاء. فابتليت بصحبتهم طويلا، وخرجت عن الفطرة كثيرا.
فنسيت ما كنت عليه، فحسبت النار نورا، والظل حرورا، والقبيح حسنا، والحسن قبيحا، والموت حياة، والحياة موتا، والسراب شرابا، والذلة لذة، والراحة جراحة. حتى نبهني بعض آبائي الكرام، الذي زينوا حافات تلك الظلام من أنوارهم بمصابيح، وجعلوها رجوما لأولئك الشياطين، ومن انتمى إليهم من المردة الملاعين، ووضعوا فيها سلاليم ليسهل بها الرجوع والعروج، ومفاتيح ينفتح بها أبواب الخروج، فأرسلوا من حبل شعاعهم خيوطا ليعرج بها من مهاوي عالم الزور والغرور إلى معارج عالم النور والسرور، وذكروا أمورا بها يتذكر معاهد القدس فيجانس الإنس.
ناپیژندل شوی مخ