730

أقبل على العلوم من صغره، أكب في عنفوان شبابه على الفقه، فتخرج فيه على جلة مشائخ عصره، وحضر مجلس الدرس في (البحر الزخار) على القاضي العلامة محمد بن إبراهيم بن يحيى السحولي، ولم يتم له سماعه عليه، فسمع بقيته على القاضي بدر الدين محمد بن علي قيس، ومن مشائخه الإمام المتوكل على الله إسماعيل بن أمير المؤمنين القاسم، والفقيه صلاح بن محمد الأحرمي، ومنهم السيد أحمد بن علي الشامي، سمع منه في (الثمرات)، ثم لاحظ في التفسير بنظر غير حسير فأفاد واستفاد وبلغ في ذلك غاية المراد، ثم راجع علم الفرائض ففتح فيه مقفلات الغوامض ودرس فيه، ودرس في كتبه العالية وفي المساحة وغيرها مما يتعلق بالفن، ومن مشائخه فيه الفقيه صلاح الأحرمي، ثم أعاد على قسم النحو من العربية بفكر وضيء، ومقصد رضي، فبحث فيه على علماء الوقت كالقاضي العلامة صالح بن محمد العياني العنسي، والفقيه علي بن أحمد الهبل، ولم يزل يدأب في هذا الفن حتى جادت يده فيه إلى نهاية، وبلغ منه في التحقيق إلى غاية، ثم أنتقل إلى المنطق فبحث في كتبه (كالتهذيب) للتفتازاني، وشرحه لليزدي والإمام الذوابي مع حاشية هذا [الفاضل و(شرح الشمسية) للقطب و(شرح الشرح) للمدقق الشريف، وقراءته في هذا] الفن على شيخه العلامة صالح بن محمد، وعلي بن أحمد، ولما شهد هذا الفن في مطالعه، وأستنزل من سماء غوامضه [مجرة] طوالعه، نظر إلى الأصول بنظرة فكره المصقول، فبحث في كتبه التي تمخضت بصحيح أنظار الخلف واشتملت أعطافها على زوائد متأخري السلف، ك(غاية السؤل) وشرحها (هداية المعقول) وكا(لفصول اللؤلؤية) لمولانا إبراهيم بن محمد، و(مختصر المنتهى) و(شرحه للعضد) و(شرحيه للشريف والسعد) وحاشية الفاضل مرزجان مع مراجعة سائر كتب الفن مثل شروح (الجمع والتلويح) وسائر كتب أصحابنا في فن الأصول وشروحها وحواشيها، وبحثه في هذا الفن على شيخه صالح بن محمد، ولم يزل يعض منه بالناجذ ويتلمح بنظره خفيات المآخذ، حتى بلغ منه إلى (غاية السؤل) وانتظمت بأنظاره الثاقبة جواهر وفصول، وحتى حقق في هذا الفن، ثنى عنان فكره المعاني إلى مضمار علم المعاني فدرس فيه كتبه المنقودة، وتصفح عباراته المعقودة، وأكب على (شرحي التلخيص) مع (حاشيتي الشلبي والشريف)، و(حاشية الشيخ لطف الله)، ولم يزل يمارس هذا الفن ويهصر من غصونه الفن بعد الفن، حتى بحر هذا الفن اختيارا واجتمعت على سبقه فيه الآراء، بحث في كتب التصريف على شيخه علي بن أحمد، كالمناهل مع النظر في أصلها، و(شرح ركن الدين) و(شرح الجاربردي) على (الشافية) و(شرح الرضي) عليها، ثم أنه التفت التفاتا يسيرا إلى بقية الفنون، فأدرك معلومها والمظنون، ومحفوظه في أصول الدين واللغة والتاريخ والحديث ورجاله وقواعده محفوظ واسع، ومقالاته في أصول الدين تقضي بالتمسك منه بحبل متين، وعلى الجملة فكل فن لا تراه فيه إلا نسيج وحده، حتى أن القارئ عليه في أحد الفنون يعتقد أن هذا فنه الذي يختص تحقيقه به وهو فيه وفي غيره على سواء ومع ذلك فله اطلاع على فنون فاتت الكثير من علماء الوقت، مثل علم الرمل والنجوم والعروض والتصوف، وله مكانة في البلاغة نظما ونثرا، على نمط ما يصنعه العلماء مع سهولة، لكن أغلب نظمه في جمع الفوائد، وضبط الشوراد على كل حال، فهو رحلة لأهل الشام ، فخر لإقليم اليمن بلا كلام، وكان لا تزال أوقاته معمورة بالتلقين معمورة ببركة الإملاء على الطالبين، تخرج به جم غفير، وخلق كثير، في الفنون على أنواعها.

مخ ۲۵۵