287

Scenes from the Lives of the Companions

صور من حياة الصحابة

خپرندوی

دار الأدب الاسلامي

شمېره چاپونه

الأولى

فَاتَبْتُهُ فَرَأَيْتُ نَقَراً أَمَامِي قَدْ سَبَقُّونِي إِلَى ذَلِكَ القَمَرِ ...

رَأَيْتُ: زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ(١)، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ...

فَقُلْتُ لَهُمْ: مُنْذُ مَتَى أَنْتُمْ هَا هُنَا؟! فَقَالُوا: السَّاعَةَ.

ثُمَّ إِنِّي لَمَّا طَلَعَ عَلَيَّ النَّهَارُ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَدْعُو إِلَى الإِسْلَامِ مُسْتَخْفِياً، فَعَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ بِي خَيْراً، وَشَاءَ أَنْ يُخْرِجَنِي بِسَبَبِهِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ.

فَمَضَيْتُ إِلَيْهِ مُشْرِعاً، حَتَّى لَقِيتُهُ فِي شِعْبٍ ((جِيَادٍ))(٢)، وَقَدْ صَلَّى العَصْرَ، فَأَسْلَمْتُ، فَمَا تَقَدَّمَنِي أَحَدٌ سِوَى هَؤُلَاءِ النَّفَرِ الَّذِينَ رَأَيْتُهُمْ فِي الحُلُمِ.

ثُمَّ تَابَعَ سَعْدٌ رِوَايَةَ قِصَّةِ إِسْلَامِهِ فَقَالَ:

وَمَا إِنْ سَمِعَتْ أُمِّي بِخَبَرِ إِسْلَامِي حَتَّى ثَارَتْ ثَائِرَتُهَا(٣) وَكُنْتُ فَتًى بِرَّا بِهَا مُحِبَّا لَهَا، فَأَقْبَلَتْ عَلَيَّ تَقُولُ:

يَا سَعْدُ مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي اعْتَنَقْتَهُ فَصَرَفَكَ عَنْ دِينِ أُمِّكَ وَأَبِيكَ ... وَاللَّهِ لَتَدَعَنَّ دِينَكَ الجَدِيدَ أَوْ لَا آكُلُ وَلَا أَشْرَبُ حَتَّى أَمُوتَ ... فَيَتَفَطَّرَ(٤) فُؤَادُكَ حُزْناً عَلَيَّ، وَيَأْكُلَكَ اللَّهَمُ عَلَى فَعْلَتِكَ الَّتِي فَعَلْتَ، وَيُعَيِّرَكَ النَّاسُ بِهَا أَبَدَ الدَّهْرِ.

فَقُلْتُ: لَا تَفْعَلِي يَا أُمَّهُ، فَأَنَا لَا أَدَعُ دِينِي لِأَيِّ شَيْءٍ.

لَكِنَّهَا مَضَتْ فِي وَعِيدِهَا، فَاجْتَنَبَتِ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، وَمَكَثَتْ أَيَّاماً عَلَى ذَلِكَ لَا تَأْكُلُ وَلَا تَشْرَبُ، فَهَزُلَ جِسْمُهَا وَوَهَنَ عَظْمُهَا وَخَارَتْ قُوَّاهَا.

فَجَعَلْتُ آتِيِهَا سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ أَسْأَلُهَا أَنْ تَتَبَلَّغَ(٥) بِشَيْءٍ مِنْ طَعَامٍ أَوْ قَلِيلٍ.

(١) زَيْد بن حَارِثَة: انظره ص ٢١٧.

(٢) شِعْب جِيَاد: أحد شعاب مكّة المكرّمة.

(٣) ثَارَتْ ثَائِرَتُهَا: اشتعلت نار غضبها.

(٤) يَتَفَطَّرَ: يتشقَّق.

(٥) تَتَبَلَّغَ: تتناول القليل الذي يحفظ حياتها.

293