سيرة الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وفتحه السبعة حصون ومحاربته الهضام بن الحجاف بن عون بن غانم الباهلي برواية المؤرخ القصصي الشهير أبي الحسن أحمد بن عبد الله بن محمد البكري طبع على نفقة التيجاني المحمدي صاحب مطبعة ومكتبة المنار مطبعة المنار - تونس

مخ ۱

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي تفرد بقائه ونور بمعرفته قلوب أوليائه وطيب أسرار الصادقين يطيب ثنائه الحي القيوم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في ارضه وسمائه أحمده سبحانه وتعالى حمدا تعرف بالعجز عن عدد آلائه واشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي تفرد بعزه وبقائه واشهد ان سيدنا ونبينا ومحمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله خاتم أنبيائه وسيد أصفيائه اللهم صلي وبارك على هذا النبي الكريم والرسول السيد السند العظيم سيدنا ومولانا محمد وعلى أصحابه صلاة وسلاما دائمين متلازمين بدوام ارضه وسمائه تسليما كثيرا (وبعد) فقد روى أبو الحسن أحمد بن عبد الله محمد البكري رضي الله عنه قال حدثنا يوسف بن عبد الله وخالد بن رفاعة الجهني قالا حدثنا خلق كثير يروي بعضهم عن بعض فأخذنا من ذلك ما نرجوه إن شاء الله تعالى تعليقة على قدر الروايات قالوا حدثنا صاحب الحديث عن علي بن أبي طالب كرم الله وجده ورضي عنه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده المبارك وكان ريح ومطر إذ سمعنا صوتا جهوريا من وراء المسجد يقول السلام عليك يا محمد ورحمة الله وبركاته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليك السلام ورحمة الله وبركاته فالتفت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ردوا على إخوانكم السلام رحمكم الله فقلنا يا رسول الله على من نرد ونحن لم نر أحدا نرد على الملائكة أم على الجان فقال بل على إخوانكم الجان الذين آمنوا وصدقوا برسالتي ثم نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم أظهر لنا أيها المتكلم لنراك فظهر لنا شيخ قال علي رضي الله عنه وإذا به عرفطة بن شماخ وكنت به عارفا لان النبي صلى الله عليه وسلم قد أرسلني معه إلى قومه فأحرقت بأسماء الله تعالى وبنوره منهم زيادة عن خمسين قبيلة من الجن وآمن منهم خلق كثير فسلم عرفطة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس النبي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حاجتك قال يا رسول الله قد جئتك لأخبرك عما نحن فيه الحرب والوقائع وقتال القبائل الجواهل فقال النبي صلى الله عليه وسلم مع من يا عرفطة فقال مع كفار الجن ومردتهم وكذلك مع عفاريتهم عبدة الأوثان فقال

مخ ۲

رسول الله صلى الله عليه وسلم ديارهم قريبة منا أم بعيدة يا عرفطة فقال يا سيدي في جبال وأوكار وأودية شتى قد أهلكنا منهم خلقا كثيرا وأهلكوا منا خلقا كثيرا وان لهم صنعا يسمونه المنيع وقد تعالى الله عز وجل عن أن يمثل وهو السميع البصير فصنمهم هذا قائم بخدمة الملك الهضام بن الجحاف بن عوف بن غانم الباهلي الملقب بمرآة الموت لعنه الله والصنم المنيع موكل به مارد يقال له عنريس بن دريس بن إبليس وله عشيرة عظيمة وقبيلة جسيمة ونحن في غزوهم وجهادهم وقد اشتدت بلية القوم وتعاظم امر الهضام وكفر بالله تعالى واتخذ من دون الله إلها يسمونه المنيع وجعل له جنة ونار وجعل له زبانية وسماهم الغلاظ الشداد وجعل له ملائكة وسماهم البررة الكرام وجعل في جنته الأشجار والأنهار والأطيار وجعل فيها المخدرات المنعمات وسماهم الحور العين وجعل لها عرشا وكرسيا ومن العفاريت الطيارين وسماهم الملائكة المقربين وأنت رسول الله لم يبلغك من ذلك كله وقد اشتد تمرد القوم وطغيانهم وكفرانهم لرب العالمين (قال الراوي) فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفطة اشتد به الغضب حتى كاد يضطرب كالسفينة في الريح العاصف وسجد على الأرض طويلا ثم رفع رأسه وقد سكن ما به من غيظ ولمع النور من بين عينيه صلى الله عليه وسلم حتى لحق عنان السماء ثم اقبل على عرفطة وقال له انصرف شكر الله سعيك وأحسن إليك وانا ابعث إليهم رسولا وهو خليفتي ونقمتي على أعدائي فقال عرفطة يا رسول الله إذا بعثت للقوم رجالا من الانس أبادوهم وقتلوهم فان عساكر الانس لن يطيقوا قتال الجن ومردتهم ولن يبلغك ما تريد الا الفارس الصنديد والبط الشديد قالع الحلقة والقصر المشيد ومبيد الإنس والجن في البئر العميق مفرق الكتايب ومظهر العجايب والغرايب صاحب الحسام القاضب والغمام الساكب ابن عمك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ثم غاب عرفطة أعين الناس فنظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تغير لونه وظهر غيظه واحمرت عيناه وتقوس حاجباه فعم ذلك على المسلمين وجلسوا حوله ينظرون إلى الأرض ويحدقون إلى الإمام علي كرم الله وجهه ويشيرونه عما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم والإمام علي لا يتكلم ولم يرد عليهم (قال الراوي) فبينما

مخ ۳

الناس في ذلك وإذا بجبريل عليه السلام قد نزل من عند رب العالمين فوثب له النبي صلى الله عليه وسلم مسرورا وهو ينادي لبيك لبيك اللهم إنا نسألك الفرج منك يا مفرج كل كرب ومزيل كل هم وغم وخرج النبي صلى الله عليه وسلم من المسجد وقال لا يقم أحد فن مكانه حتى أعود إليكم وخرج فمكث قليلا ثم رجع إلى أصحابه وهم جلوس كل واحد منهم في مقامه وقد تهلل وجهه صلى الله عليه وسلم فرحا وسرورا وجعل النور يشرق من بين عينيه صلى الله عليه وسلم فوثب الناس إليه يسألونه عن امره (قال الراوي) فقال النبي صلى الله عليه وسلم اجلسوا بارك الله فيكم فجلس الناس جميعا وصمتوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أين سلمان وعمار فأجاباه بالتلبية ها نحن بين يديك قل ما شئت يا رسول الله فانا لكلامك سامعون ولأمرك مطيعون فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم سيروا في شوارع المدينة ونادوا الصلاة جامعة بمسجد المختار الله الواحد القهار فلما سمع الصحابة منه صلى الله عليه وسلم ذلك النداء جعلوا يهرعون إليه من كل جانب ومكان حتى امتلأ المسجد بالنبي بهم ثم صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر وخطب خطبة بليغة فشوق إلى الجنة ونعيمها وحذر من النار وجحيمها (قال الراوي) قال النبي صلى الله عليه وسلم معاشر المسلمين:

ان الله جل وعلا تقدست أسماؤه ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا ولا اله غيره بعد رفع السماء بلا عمد وأرسى الجبال وتد وزين السماء بالنجوم الزهرات والأفلاك الدائرات واجري فيها الشمس والقمر آيات لأولي الألباب وبسط الأرضين بحكمه على تيار الماء وثبتها بالجبال الراسيات واضحك تغوير البقاع الجامدات بفيض دموع السحاب المسخرات وثبت الرياح العاصفات مخاليب الطيور الصافنات وقوى قبة الجبال الراسيات تلاطم أمواج البحار الزاخرات وعلق أستار وأوراق الأغصاب النضرات (قال الراوي) ثم قال رسول الله صلى عليه وسلم أيها المسلمون: انا بشر منكم آكل مما تأكلون واشرب مما تشربون ولا اعلم ما كان ولا يكون ولا يحيط بذلك علما الا من يقول للشئ كن فيكون ثم بعد ذلك أعلمكم انه قد وفد على عرفطة من إخوانكم في الدين وهو من الجن المؤمنين وقد أخبرنا عن اللعين الملك الهضام ابن الحجاف بزعوف بن غانم الباهلي لعنه الله قد اتخذ له صنما وسماه المنيع وصنع له جنة ونارا وملائكة وزبانية فيدخر من اطاعه وأطاع صنمه

مخ ۴

في جنة ويعذب بناره من عصاه وعصى صنعه وقد غره حكم إبليس اللعين واستدرجه وأهاله فلما سمعت ذلك سمعت ذلك كبر علي وعظم لدي ولأخفف عني ذلك الا حبيبي جبريل وقد آتاني وأخبرني عن ربي عز وجل وهو يقول يا محمد الله يقرئك السلام ويخصك بالتحية والاكرام ويقول لك اني قد علمت بما في نفسك وما قد نزل بك واني مبشرك ان دمار القوم ودمار صنمهم على يد رجل يحبه الله والملائكة وهو سيف نقمتك وباب مدينتك التي ما سجد لصنم قط وهو زوج البتولي والمتولي لدعوتك وحامل رايتك الفتى الولي مفرق الكتائب ومظهر العجائب والغرائب الحسام الغاضب والليث المحارب والغيث الساكب لبني غالب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كفر الله وجهه وهذه إشارة من عند ربي الاعلى ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم كشف عويدة فإذا فيها عربرة سوداء مكتوب فيها بقلم القدر لم يكتبها كاتب فلما نشرها صلى الله عليه وسلم ظهر لنا نور له شعاع عظيم فقال الصحابة يا رسول الله خبرنا بما فيها مكتوب بمشيئة الجبار امر من الطالب الغالب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ففرح المسلمون بذلك فرحا شديدا وقالوا لقد فار من الجبار وقربه برسول صلى الله عليه وسلم وعلى الله الا خيارا حزن بذلك للكفار قال الراوي ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم اقبل على أصحابه وقال لهم معاشر المسلمين هل فيكم من وصل إلى ديار اللعين الهضام بن الجحاف بن عون فيخبرنا بما شاهد من ابطاله وأعوانه وكفره وطغيانه فقام عند ذلك رجل من المسلمين يقال له عبد الله بن أنيس لجهني رحمة الله عليه فقال انا أخشى ان يداخل قلبك الوهم والهم عن وصفي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قل يا أنيس فانا لا نخاف مع الله أحدا فقال يا رسول الله أنت بابي وأمي ان خبره عظيم ان الهضام ابن الجحاف لما نظر إلى أصنام العرب التي يعبدونها من دون الله عز وجل وجعل في سماء القبة حجرا من المغناطيس وفي أسفل القبة حجرا اخرا وعن يسارها حجرا يوازن بعضها بعضا وأوقف الصنم في وسطها في الهواء بجذبه كل حجر بقوته وذلك الصنم مرصع بالجواهر واليواقيت النفيسة وكساه بالحرير الملون ونصب له كرسيا مرتفعا

مخ ۵

مكللا بالدر والجواهر وشده بقضبان الذهب الأحمر والفضة البيضاء فما كان من العاج الأبيض كانت كواكبه من الذهب وما كان من الأبنوس الأسود كانت كواكبه من الفضة البيضاء جعل لتلك القبة بابا عظيما من الذهب الأحمر وعلق على باب القبة سترا مزركشا وعلق من داخل القبة قناديل من اللؤلؤ بسلاسل من ذهب يوقد بطيب الادهان وبنى من خارج القبة بيتا عظيما مانعا بالعلو وجعل سقف القبة من خشب الصندل وفصل أرضها وحيطانها بالرخام الملون وجعل من ورائها بيتا آخر مثل البيت الأول وما زال كذلك حتى جعلها سبعة أبيات على بعضها بعضا ولها سبعة أبواب منها ما هو من العاج ومنها ما هو من الأبنوس وغير ذلك وقدر ركب في تلك البيوت جامات من البلور المختلف الألوان فإذا طلعت الشمس على تلك الكواكب أشرق نور ها على تلك البيوت والقبة وجعل على كل باب حاجبا موكلا به فإذا ورد إليه وأراد أو قصد إليه قاصد من بعض الملوك أوقفه الحاجب الأول والثاني كذلك حتى ينتهي إلى الباب السابع وكلما جاوز بابا نظر إلى غيره فإذا هو أعظم من الذي قبله فإذا وصل إلى المكان فيه عدو الله الهضام وجده جالسا على سريره وقد أحدقت به جنوده والحجاب حوله فإذا وقعت بين يديه امر الهضام بقلع ثيابه فيقلعها ويلبسونه ثيابا غيرها ويقولون له ان ثيابك هذه عصيت فيها فهي لا تصلح ان تدخل على الاله المنيع وأنت تطلب منه الغفران ثم يدفع له خاتما من الحديد ويقولون له ان هذا الخاتم الذي تريد به عفوه عنك فإذا ثبت في يدك فقد عفا عنك وقبل توبتك ثم بعد ذلك يأمر الملك الهضام بفتح القبة لذلك الشخص فإذا دخل على الصنم وشافي نفسه شيئا فيظن ان الصنم قد طالب رضاه وكلما قرب من الضم جذبته السلسلة إلى ورائه فإذا كان لا ينقلع الخاتم من يده يأمرونه بالسجود فيخر ساجد ولم يزل كذلك حتى يهتف به من جوف الصنم الشيطان الموكل به ويأمره بالقيام فيقوم فينذر ذلك الشخص مما أمكنه من الذهب والفضة أو جواهر أو جوار أو عبيد أو خبل قدر ما تصل إليه قوته وقد استولى

مخ ۶

اللعين الهضام بهذه الحيل على أموال الناس فلما فرغ من ذلك خرج إلى فلاة عظيمة ملء الأرض فجمع الصناع وامر بحفر حفرة طويلة طولها أربعمائة ذراع وعرضها مثل ذلك ثم جعل لها أساسا وبناها بالصخور العظام وأوقف عليها الف عبد اسود غلاظا وأفرد ذلها الف بعير يحملونها الأحطاب والأخشاب والف عبد يجمعون لهم ذلك ويحملونه إلى الحفرة والف يصرمون النار في الليل والنهار وسمى تلك الحفرة جهنم حتى إذا مر بهم طائر احترق من شدة لهيبها وبنى لها درجات عاليات ولما فرغ من ذلك بنى دائرة واسعة طولها عشرون فرسخا وعرضها مثل ذلك وجعل طينها المسك والزعفران وأحجارها من جميع الألوان مثل الأحمر والأصفر والأبيض والأخضر والأزرق وغرس فيها الأشجار وجمع فيها كامل الأوصاف والا طيار وبنى في وسطها دكة بيضاء من الرخام المختلف الألوان واتخذ فيها قصور وجعل سقوفها من الذهب الأحمر والفضة البيضاء وجعل فيها جواري أبكار كأنهن الأقمار ونظم ذوائبهن بالدر والياقوت ووكل بأبواب تلك المقاصير غلمانا مردا جردا وسماهم الملائكة عليهم حلل من أنواع الحرير وعلى رؤوسهم عمائم خضر وجمع في هذه المقاصير من الفواكه الصيفية والشتوية من أطيب الأثمار وجعل فيها الأطيار تغرد على الا غصان بأنواع اللغات وجعل فيها أصناف الطيب المعجون بماء الورد من حول تلك المقاصير وفيها الخمر مسكوب والعسل مصبوب واللبن محلوب يصب في قنوات فمن أطاع هذا الصنم أدخله هذه الجنة ولذذ بنعيمها ومن عصاه أدخله هذه النار يتلظى بجحيمها وقد تزايد امر هذا اللعين الجبار وشاع بين العرب بشجاعته وعظم شره حتى لقبوه بمرارة الموت (قال الراوي) فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك قال ويا ابن أنيس لقد حدثتني لم اسمع مثله قط وأين ارضه وبلاده ومستقره قال يا رسول الله بأطراف اليمن مائلا إلى العمران في واد يقال له وادي القمر فنادى برسول الله صلى الله عليه وسلم أين أمير المؤمنين وحامي حوزة الدين مفرق الكتائب ومظهر العجائب ومبدي الغرائب الليث المحارب والغيث الساكب والحسام القاضب ليث بني غالب أمير

مخ ۷

المؤمنين علي بن أبي طالب فلما سمع نداء رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وثب قائما على قدميه وانشد وجعل يقول شعر لبيك من داع ومن منادي * لبيك نور الله في البلاد لبيك من داع إلى الرشاد * فرجت عني كربة الفؤاد قل ما تشاء يا أكبر العباد * افديك نالا هلين والأولاد (قال الراوي) فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبسم ضاحكا من قول الإمام علي كرم الله وجهه ورضي عنه ثم اقبل الامام على النبي صلى الله عليه وسلم ووقف بين يديه فضمه النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره وقبله بين عينيه وقال معاشر المسلمين هذا علي ابن عمي ووارث علمي وزوج ابنتي وحامل رايتي وسيف نقمتي من أساء إليه أساء إلي ومن أحسن إليه فقد أحسن إلي ومن أحبه فقد أحبني ومن أبغضه فقد أبغضني اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله ثم قال عليه الصلاة والسلام أسمعت ما وصفه عبد الله بن أنيس الجهني عن عدو الله هضام بن الجحاف وتجبره وكفره وجموحه قال نعم يا رسول الله فقال رسول الله يا أبا الحسن ان الله امرني ان أخبرك بهذا الخبر وقد وعدني ربي بنصرك وحفظك ورجوعك إلي سالما غانما فماذا تقول وامر لك عصابة من المسلمين وجماعة من المؤمنين تسير فيهم إلى عدو الله الكافر وقد بلغني انه تكاسر من الورود وان أكثر منهم مددا وهو القادر على أن لا يبقي منها أحدا (قال الراوي) فاطرق الإمام علي رأسه ثم رفع رأسه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونظر ولم يتكلم ثم عاد إلى اطراقه ساعة ولم يتكلم ثم عاودها ثالثا فعظم ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وقد تبين في ذلك الوقت في وجوه المنافقين وقال بعضهم لبعض ان علي بن أبي طالب كره التوجه إلى الهضام ويحق له ذلك ومن يقدر على وصف عبد الله بن أنيس وتكلم المؤمنين على قد ما وصل إليهم وقال بعضهم لاشك انه يطلب جماعة يسير بهم إلى عدو الله ولكنه استحياء رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يذكر له ذلك وقال بعضهم ان عليا كره الخروج من غير جذع ولا فزع وكثرت الأقوال بين الناس وعظم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا الحسن ما السكوت والتواني برد الجواب ما أملت منك الا انك امر مبادر والى ما أخبر تك

مخ ۸

مسارع فهل لك من حاجة فتقضى أو كلمة فتمضى (قال الراوي) فلما سمع ذلك الإمام علي كرم الله وجهه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبسم ضاحكا وقال يا رسول الله حاجتي تقضيها كائنة ما كان قال نعم اي والذي بعثني بالحق بشيرا ونذيرا اني أقضيها ان وجدت إلى قضائها سبيلا فقال الإمام علي رضي عنه ألم تأتيك البشرى من عند المولى الكريم رب العالمين ان ترسلني لهذا الامر وضمن لك سلامي وحفظ رعايتي فقال النبي صلى الله عليه وسلم نعم يا أبا الحسن فقال الإمام علي كر م الله وجهه إذا كان من يعصمني ويسلمني ويحفظني لا حاجة بأحد غيره ولا تبعث لهذا الامر أحد سواي فحسبي يا رسول الله نصر الله عز وجل وهو خير الناصرين واسال الله جلب المسرة إلى فؤادك (قال الراوي) فلما سمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم تهلل وجهه فرحا مسرورا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا الحسن كفاك الله شانيك وأهلك معاديك ثم كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر المسلمين جميعا عند ذلك فرحين بما كشف الله من قلوبهم من الهم والكرب وارغام انف المنافقين أعداء الله قال عبد الله بن أبي سلول لعنه الله وهو رأس المنافقين بالمدينة هذه أعظم فرحة وحق اللاتي والعزى لنحرقن عظام علي بن أبي طالب بنار الهضام ولو خرج محمد إليه بجميع أصحابه ما قدروا عليه ولا بقيتم ترون علي بن أبي طالب بعد هذا اليوم ان هو خرج إليه ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بدواة وقرطاس وقلم ودفعها إلى الإمام علي ابن أبي طالب وقال له اكتب يا أبا الحسن إلى عدو الله الهضام كتاب بالتحذير فكتب الإمام علي كتابا يقول فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من رسول الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن عبد مناف داعي الورى إلى الانصاف وهاديهم إلى طريق الخير والغفران إلى الهضام بن الجحاف الباهلي اما بعد لقد اتصل إلينا ما أنت عليه من التكبر والتجبر والعتو على الله عز وجل وما صنعته من جنة ونار يا ويلك والويل ثم الويل لك تتخذ الحديد والجنادل أربابا من الله عز وجل أرأيت ما صنعته من نارك لو أنك أمرت عبيدك الذين ينقلون الحطب والأخشاب ان يسكنوا عنه يوما واحدا لسكن لهيبها وانقطع

مخ ۹

وهجها وخمد حرها يا ويلك والويل لقومك بل لو حملوا إليها الماء وسكبوه فيها لطفئت حرارتها وذهبت جمرتها فأين نارك من نار وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين لا يخمد حرها ولا يبرد لهيبها وهي لا توقد بحطب ولا بخشب بل توقد بسخط الله عز وجل فلا تخمد في ليل ولا في نهار عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون واعلم أن نارك التي توقدها انما هي جزء منها وهي اثنان وسبعون جزء واما جنة الخلد التي وعد المتقون ففيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين لا يفنى نعيمها ولا ينقص ثمرها ولا يصفر ورقها والمؤمنين فيها متنعمون في جوار رب العالمين وعلى الأرائك متكئون واما جنتك التي أحدثتها فلو أمرت بمنع الماء عنها لجفت أغصانها وفسد ثمارها فاترك ما أنت عليه من تكبرك على خالقك ورازقك ولا تنفعك نارك ولا جنتك فقل معي لا إله إلا الله محمد رسول الله واشهد لي بالرسالة تكن من الفائزين والصديقين فان أبيت رميتك بسيف قاطع وبطل مانع (قال الراوي) ثم إن الامام عليا كرم الله وجهه قرأ الكتاب على النبي صلى الله عليه وسلم فاخذ النبي صلى الله عليه وسلم الكتاب بيده الكريمة وطواه بعد أن ختمه بخاتمه الشريف ثم قال يا أبا الحسن خذ معك من المسلمين رجلا فإذا قربت من ديار عدو الله فقدمه امامك رسولا بهذا الكتاب فان اجابه إلى ما دعوناه إليه وآمن بالله وصدق برسالتي فكف يدك فان الله حليم لا يجعل بالعقوبة على من عصاه وان أبي هو وعصى فانظر لنفسك وتدبر امرك واحذر من الحصون في مسيرك وتوكل على الله وقل لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم (قال الراوي) ثم اقبل النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه وقال لهم من يمضي برسالتي مع ابن عمي وانا اضمن له الجنة ولا يكون الا عارفا بديار القوم فعند ذلك نهض جميل قائما على قدميه وكان جميل رجلا مشهورا لأنه كان قريب عهد بالاسلام وكان لا يخفى عليه شئ من مياه العرب ولا من منازلهم فدفع له النبي صلى الله عليه وسلم الكتاب وقال سر يا ابن كثير (قال الراوي) ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم اخرج مع ابن عمي علي بن أبي طالب رضي الله عنه فعند ذلك قال ابن كثير يا رسول الله دعني أتقدم امام ابن عمك فاني لا أطيق المسير معه واني إن شاء الله تعالى أسبقه إلى ديار

مخ ۱۰