سراج منير
السراج المنير شرح الجامع الصغير في حديث البشير النذير
• (قال الله تعالى كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه خالص لي وأنا أجزي به) قال العلقمي اختلف في معناه لأن الأعمال كلها لله تعالى وهو الذي يجزي بها فقيل إنما خص # الصوم لأنه ليس يظهر من ابن آدم ولا يطلع عليه وإنما هو شيء في القلب بخلاف سائر الأعمال فإنها أفعال وحركات ترى وتشاهد ويؤيده حديث الصيام لا رياء في يعني بمجرد فعله وإلا فقد يدخله الرياء بأن يخبر بأنه صائم وقيل المعنى أن العبادات قد كشف مقادير ثوابها للناس وأنها تضعف من عشرة إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فإن الله تعالى تفرد بمقدار علم ثوابه وتضعيف حسناته فقوله وأنا أجزي به أي جزاء كثيرا من غير تعيين لمقداره وقيل معناه أنه أحب العبادات إلي والمقدم عندي وقيل أن الصيام لم يعبد به غير الله تعالى بخلاف الصلاة والصدقة والطواف ونحو ذلك وقيل أن جميع العبادات توفى منها مظالم العباد إلا الصوم أخرج البيهقي عن ابن عيينة قال إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده ويؤدي ما عليه من المظالم من عمله حتى ما يبقى له إلا الصوم فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم ويدخله بالصوم الجنة والصيام جنة قال العلقمي زاد أحمد وحصن حصين من النار والجنة بضم الجيم القاية والستر وقد تبين متعلق هذا الستر وأنه من النار وبهذا جزم ابن عبد البر وأما صاحب النهاية فقال معنى كونه جنة أنه يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات (وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث) بتثليث الفاء لايتكلم بقبيح (ولا يصخب) بصاد وسين مهملتين وبخاء معجمة أي لا يصيح ولا يخاصم قال في النهاية الصخب والسخب الصيحة اضطراب الأصوات للخصام (وإن سابه أحد) أي شاتمه (أو قاتله) أي أراد مقاتلته (فليقل) بقلبه إن كان صيامه نفلا وبلسانه وقلبه إن كان في رمضان (إني امرء صائم) ليكف نفسه عن المسابة والمقاتلة (والذي نفس محمد بيده) أي بقدرته وتصريفه (لخلوف) بضم الخاء المعجمة واللام وسكون الواو بعدها فاء قال عياض هكذا الرواية الصحيحة وبعض الشيوخ يقول بفتح الخاء قال الخطابي وهو خطأ وحكى عن القابسي بالوجهين وبالغ النووي في شرح المهذب فقال لا يجوز فتح الخاء واحتج لذلك بأن المصادر التي جاءت على فعول بفتح أوله قليلة ذكرها سيبويه وغيره وليس هذا منها أي ريح (فم الصائم) فيه رد على من قال لا تثبت الميم في الفم عند الإضافة إلا في ضرورة الشعر لثبوتها في هذا الحديث وغيره قاله في الفتح (أطيب عند الله من ريح المسك) قال العلقمي في الفتح اختلف في كون الخلوف أطيب عند الله من ريح المسك مع أنه سبحانه وتعالى منزه عن استطابة الروايح إذ ذاك من صفات الحيوان ومع أنه يعلم الشيء على ما هو عليه والجواب على أوجه قال الماوردي هو مجاز لأنه جرت العادة بتقريب الروايح الطيبة منا فاستعير ذلك من الصوم لتقريبه من الله فالمعنى أنه أطيب عند الله من ريح المسك عندك أي يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم وقيل المراد أن ذلك في حق الملائكة وأنهم يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك وقيل المراد أن الله يجز به في الآخرة فتكون نكهته أطيب من ريح المسك كما يأتي المكلوم وريح جرحه يفوح مسكا وقيل المراد أن صاحبه ينال من الثواب ما هو أفضل # من ريح المسك ولا سيما بالإضافة إلى الخلوف وقال الداودي وجماعة المعنى أن الخلوف أكثر ثوابا من المسك المندوب إليه في الجمع ومجالس الذكر ورجح النووي هذا الأخير وحاصله حمل معنى الطيب على القبول والرضى وقد نقل القاضي حسين في تعليقه أن للطاعات يوم القيامة ريحا يفوح فرائحة الصيام فيها بين العبادات كالمسك وقال شيخنا قد تنازع ابن عبد السلام وابن الصلاح في ذلك هل هو خاص بالآخرة أم لا فذب الأول إلى اختصاصه بها كدم الشهيد لحديث عند مسلم وأحمد والنسائي عن أبي صالح أطيب عند الله يوم القيامة وخالفه ابن الصلاح لحديث البيهقي وغيره فإن خلوف أفواههم حين يمسون وهذا صريح في كونه في الدنيا قال وأما ذكر يوم القيامة في تلك الرواية فلأنه يوم الجزاء وفيه يظهر رجحان الخلوف في الميزان على المسك المستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلبا لرضى الله حيث يؤمر باجتنابها ونظيره أن ربهم بهم يومئذ لخبير إذ هو خبير بهم في كل يوم ويؤخذ من الحديث تفضيل الخلوف على دم الشهيد لأن الدم شبيه بريح المسك والخلوف وصف بأنه أطيب (وللصائم فرحتان يفرحهما) أصله يفرح بهما فحذف الجار ووصل الضمير (إذا أفطر فرح بفطره) قال العلقمي قال القرطبي فرح بزوال جوعه وعطشه حيث أبيح له الفطر وهذا الفرح طبيعي وهو السابق للفهم وقيل أن فرحه بفطره إنما هو من حيث أنه تمام صومه وخاتمة عبادته وتخفيف من ربه ومعونة على مستقبل صومه قلت ولا مانع من الحمل على ما هو أعم مما ذكره ففرح كل احد بحسبه لاختلاف مقامات الناس في ذلك فمنه من يكون فرحه مباحا وهو الطبيعي ومنهم من يكون مستحبا وهو من يكون بسبب شيء مما ذكره (وإذا لقي ربه فرح بصومه) أي بجزائه وثوابه أو بالنظر إلى وجه ربه (ق ن) عن أبي هريرة
• (قال الله تعالى ثلاثة أنا خصمهم) زاد ابن خزيمة وابن حبان ومن كنت خصمه خصمته (يوم القيامة) والخصم مصدر خصمته اخصمه نعت به للمبالغة كعدل يطلق على الواحد وعلى الاثنين وعلى أكثر من ذلك وقال الهروي الواحد يكسر أوله وقال الفراء الأول قول الفصحاء ويجوز في اثنين خصمان وفي الثلاثة خصوم (رجل أعطى بي ثم غدر) مفعوله محذوف والتقدير أعطى يمينه بي أي عاهد عهدا وحلف عليه بالله ثم نقضه (ورجل باع حرا ثم أكل ثمنه) خص الأكل لأنه أعظم مقصودا وإنما كان إثمه شديدا لأن المسلمين أكفاء في الحرية فمن باع حرا فقد منعه التصرف فيما أباح الله له وألزمه الذل الذي أنقذه الله منه والحر عبد الله فمن جنى عليه فخصمه سيده (ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه) ما استأجره لأجله من العمل (ولم يعظه أجره) لأنه استوفى منفعته بغير عوض واستخدمه بغير أجرة فكأنه استعبده (حم خ) عن أبي هريرة
مخ ۳۹۸