Sheikh Abdul Hay Yusuf's Lessons
دروس الشيخ عبد الحي يوسف
نفي عبودية النبي لغير الله
افتتحت هذه السورة بفعل الأمر (قل)، وعندنا في القرآن خمس سور افتتحت بـ (قل) وهي: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن:١]، و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١]، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١].
قوله سبحانه: (قل): هذا الأمر مشعر بالاهتمام بما بعد القول، وأن النبي ﷺ مأمور بتبليغه للناس بوجه خاص، وبتبليغ الدين كله بوجه عام قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧]، فالدين كله هو مأمور بتبليغه صلوات الله وسلامه عليه، لكن هذا أمر لابد من العناية به تمام العناية، فقال: (قل -أي: يا محمد-: يا أيها الكافرون)، أي: يا عاص، ووليد، وأسود، وأمية، ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون:٢].
يقول العلامة الشيخ الطاهر بن عاشور ﵀: وفي الإتيان بهذا الوصف القبيح تحقير لهم، واستخفاف بشأنهم، وإشعار بأن رسول الله ﷺ لا يهابهم؛ لأنه محفوظ من ربه، فما قال: يا أيها الناس، وما قال: يا من عرفتم هذا العرض، لا، بل: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، يا من كفرتم بالله، يا من جحدتم بالنبوة، يا من كذبتم بالبعث والمعاد، يا من اتصفتم بالكفر ماضيًا وحاضرًا ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون:٢]، أي: لا أعبد ما تعبدون من آلهة باطلة، وأصنام لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع ولا تغني عني شيئًا.
﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:٣] أي: ولا أنتم -أيها المشركون- تعبدون الإله الحق الجليل العظيم الذي أعبده، و(ما) هنا بمعنى من، وهي مثل قول الله ﷿: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس:٥] أي: والسماء ومن بناها، وقول الله ﷿: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ﴾ [الليل:١ - ٣] أي: ومَن خلق الذكر والأنثى.
ويرى ابن القيم ﵀ بأنه جيء بـ (ما) ههنا؛ لأن المقصود الصفة وليس الذات، كما في قول الله ﷿: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء:٣] فالمعنى: من طاب لكم من النساء، لكن لما كان الأمر منصبًا على وصف الطيب جيء بـ (ما)، وهكذا ههنا المشركون يعبدون إلهًا لكن لا يعرفون صفاته ﷻ وأنه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي ينبغي أن يفرد بالعبادة وحده.
24 / 5