497

Explanation of Riyadh al-Salihin

شرح رياض الصالحين

سیمې
مصر
شرح حديث خباب: (ولولا أن النبي نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به)
وعن قيس بن أبي حازم قال: (دخلنا على خباب بن الأرت ﵁ نعوده وقد اكتوى سبع كيات فقال: إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا).
وخباب بن الأرت رضي الله ﵎ عنه رجل من أصحاب النبي ﷺ الذين ابتلوا ابتلاء شديدًا، فلما أسلم ﵁ أخذه المشركون وعذبوه عذابًا شديدًا، ومرة في خلافة عمر ﵁ كان الناس يتكلمون عما كان يفعله المشركون بالمسلمين، فهنا كشف خباب عن ظهره ﵁ فقال عمر ﵁: ما رأيت أبشع من ذلك، حيث رأى لحم ظهره قد ذاب وكشف عن عظام ظهره، فقد كان المشركون يوقدون النار حتى تصير جمرًا ثم يطرحونه عليها حتى تنطفئ بشحم ظهره رضي الله ﵎ عنه.
فهذا الرجل الفاضل ﵁ أصابه بلاء ومرض في آخر عمره وبسبب هذا المرض اكتوى سبع كيات، وقال: إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا، وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعًا إلا التراب.
يعني: بعد الفتوحات أصبنا من الغنائم وجاء لنا من الرزق، وهو لم يذكر أنه كان مجاهدًا، وكأنه يقلل من شأن نفسه رضي الله ﵎ عنه، فيقول خباب ﵁: إنه من كثرة المال لم يجد إلا أن يحفر مكانًا في الأرض ويجعل فيه هذا المال.
وذكروا عنه في رواية عند الترمذي أنه قال: (لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ وما أملك درهمًا وإن في جانب بيتي الآن أربعين ألف درهم)، ولا بد أن يكون مال خباب رضي الله ﵎ عنه هذا حلالًا، ولكن مع ذلك خاف أن يموت وقد ترك أربعين ألف درهم فيسأله الله ﷾ عنها.
ثم يقول ﵁: (ولولا أن النبي ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به، ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطًا له، فقال: إن المسلم ليؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب).
من تواضعه رضي الله ﵎ عنه يذكر الشيء الذي يحقر به نفسه، فالإنسان عادة إذا صار غنيًا فإنه يحب أن يظهر أمام الناس بما رزقه الله من المال ويقول: أنا سأبني وأنا سأعمل وأنا عندي، لكن هذا يقول: إن الإنسان يؤجر في كل شيء ينفقه إلا ما يجعله الإنسان في التراب.
يعني: كما يفعل هو في تلك الساعة! قال: (إن المسلم ليؤجر في كل شيء)، يعني: كل عمل حسن يعمله يؤجر عليه إلا في شيء يجعله في هذا التراب، وهذا محمول على الكثرة، يعني: يكون عنده ما يستغني به ثم يبني بيتًا ثانيًا وثالثًا فهذا لا يؤجر عليه عند الله، إنما يكون الأجر على عمل ينفعه، فلعله بنى لابنه أو لابنته، أو أراد بذلك أن يعين إنسانًا فيؤجر على هذا كله، أما أن يكثر لنفسه هذه الأشياء فقال خباب: إن النبي ﷺ ذكر أنه لا يؤجر على ذلك، لكن لا نقول إنه يأثم، وإنما المعنى: أن الذي يكثر من البنيان كأنه يؤمل في الدنيا، وهذا لا يحرم عليه، ولكن غير ذلك أولى، وهو أن يعتبر الإنسان من هؤلاء الأفاضل الذين كان الواحد منهم يبني البيت ومع ذلك لا يمدح نفسه بذلك، وإنما يقول: إن النبي ﷺ قال: إن المرء لا يؤجر على هذا الشيء، ولكن لاحتياجه يصنع ذلك، والله أعلم.
فالمقصود: أن الإنسان المؤمن يذكر الموت فيستعين بذلك على العمل، ويخاف من الموت الخوف الذي يعينه على طاعة الله ﷾، فالمؤمن خوفه من الموت يحمله على أن يتذكر الحساب ومن ثم يطيع الله سبحانه بأن يبتعد عن الحرام ويرد المظالم إلى أصحابها.
فالخوف المندوب هو الخوف الذي يدفع للعمل، وليس الخوف الذي يجعل الإنسان يجلس في بيته ولا يصنع شيئًا.
نسأل الله ﷿ أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يرحمنا في الدنيا وفي قبورنا وفي الآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

43 / 14