Explanation of Riyadh al-Salihin
شرح رياض الصالحين
ژانرونه
•Commentaries on Hadiths
سیمې
مصر
من يستعفف يعفه الله
جاء في حديث آخر عن حكيم بن حزام في معنى الحديث الأول إلا أن فيه زيادة- قال النبي ﷺ: (اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول).
أي: إن كان عندك زيادة مال فابدأ بأهلك الذين تعولهم.
ثم قال: (وخير الصدقة عن ظهر غنى)، أي: خير الصدقة ما تركت غنى، لأن الإنسان قد يتصدق وبعد أن يتصدق بالمال كله يمكن أن يبتليه الله فلا يجد مالًا يسد حوائجه فيندم ويقول: يا ليتني ما تصدقت بالمال كله، فيكون بهذا قد أضاع أجره عند الله، وأضاع ماله في الدنيا.
فالأفضل للإنسان إذا تصدق أن يترك لنفسه ما يغنيه؛ لأنه عندما يعطي ولا يزال غنيًا يكون ذلك مدعاة له أن يعطي ويتصدق مرة أخرى، ولا يتضجر من الصدقة، أما الذي يعطي ماله كله ثم يجد نفسه فقيرًا، فقد لا يتصدق مرة أخرى، ولذلك كان خير الصدقة ما أبقت لصاحبها غنى.
ثم قال ﷺ: (ومن يستعفف يعفه الله).
ويستعفف من العفاف، والعفيف هو الإنسان الذي لا ينظر إلى ما في أيدي الناس، فالناظر إلى ما في أيدي الناس إما أن يتمنى ما في أيدي الناس، أو يتحسر على أنه ليس عنده مثلهم.
وإذا تمنى فلعله يعطى ولعله لا يعطى، فإذا كان لا يعطى فقد أتعب نفسه بالنظر إلى ما في أيدي الناس، وإذا أعطاه الله ﷿ فلعله يفتن فيه فلا يعطي الحقوق لأصحابها، إذًا: الأفضل أن لا ينظر إلى ما في أيدي الناس، وإنما ينظر إلى من هو دونه وأقل منه ولا ينظر إلى من هو أعلى منه.
إذا نظر إلى من هو دونه حمد الله سبحانه على ما أعطاه من النعم، وإذا نظر إلى من هو أعلى منه ربما جعل ذلك في قلبه حسرة، ولعله يقول: إن الله لم يعطني شيئًا، فينكر نعم الله ﷿ عليه فيستحق العقوبة من الله.
ثم قال ﷺ: (ومن يستغن يغنه الله)، فاستغنى بالله سبحانه ﵎ وعمل وكد وأتعب نفسه ليطلب الرزق، فأعطاه الله سبحانه، أما النظر إلى الناس فليس من ورائه إلا أن يحسدهم على ما آتاهم الله من فضله، أو يتحسر على حاله الذي هو فيه، وفي كل شر.
جاء في صحيح مسلم عن أبي سفيان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تلحفوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحد منكم شيئًا فتخرج له مسألته مني شيئًا وأنا له كاره فيبارك له فيما أعطيته).
فالنبي ﷺ لا يسأله أحد إلا ويعطيه، ولكن هل كل من أعطاه النبي ﷺ كان راضيًا أن يعطيه؟
الجواب
(فوالله لا يسألني أحد منكم شيئًا فتخرج له مسألته مني شيئًا وأنا كاره)، لأنه يستحي ألا يعطي ﷺ، فقد يعطي ويكون راضيًا، وقد يعطي وهو كاره، فهذا الذي كره النبي ﷺ إعطاءه لما أخذ المال لا تكون بركة في هذا المال الذي أخرجه.
فالنبي ﷺ هو الذي يعطي ومع ذلك لا بركة في هذا المال؛ لأنه أخذه بغير رضا النبي ﷺ، وهكذا فكل إنسان يأخذ مالًا بغير رضا صاحبه لا بركة له فيه.
37 / 13