شرح ما بعد الطبیعة
شرح ما بعد الطبيعة
قال ارسطو ولنفحص ايضا كيف فى طبع الكل الجود والفاضل هل هو شئ متميز بذاته او بالترتيب او بالنوعين كالجيش فان فى الترتيب الجودة وقائد الجيش وهذا اكثر فانه ليس هذا لمكان الترتيب بل ذلك لعلة هذا وقد رتبت معا جميع الاشياء بنوع ما الا انه ليس بترتيب متشابه السابحة والطائرة والغروس وليست فى حال كانه لا يضاف منها شئ الى شئ البتة بل شئ ما فان جميعها رتبت معا بالاضافة الى شئ واحد ولاكن كما ان احرار البيت قل ما يطلق لهم فعل ما ادركوا بل جميع افعالهم او اكثرها مرتبة واما المماليك والسباع فان اعمالهم المشاركة لاعمال اولائك قليلة فاما اكثرها فكيف ما وقع فان بدء كل واحد منهما مثل هذا مثل الطبع التفسير هذا الجزء هو الجزء الثالث من هذه المقالة وقصده فيه ان يفحص هل الاشياء الموجودة بعضها من اجل بعض وكلها من اجل الاول كالحال فى اعضاء الانسان مع المبدأ الاول الذى به صار انسان ما او ليس بينها ارتباط وانما وجود بعضها مع بعض بالاتفاق وهى كلها من اجل شئ خارج عنها ولما كان بينا بنفسه ان كل موجود له خير ما من اجله وجد فهو يفحص هل الخير الذى فى الموجودات هو شئ خارج متميز عنها من غير ان يكون لها خير موجود فى الترتيب اى من غير ان يكون بعضها مرتبا من اجل بعض وذلك ان الاشياء المرتبة بعضها من اجل بعض فالخير الموجود فيها انما هو فى الترتيب ام الخير الموجود فيها انما هو فى الترتيب فقط من غير ان يكون لها خير متميز عن الكل ام هو فى الامرين جميعا اعنى شيئا هو من اجله مثال ذلك ان يسأل سائل هل الخير الموجود فى صنف صنف من اصناف الناس الذين فى مرتبة واحدة اعنى الغاية التى يقصدون بافعالهم هو شئ متميز منهم خارج عنهم كانك قلت الرئيس الاول ام الخير الذى فيهم انما هو من اجل تقدمة بعضهم بعضا فقط ام هو فى الامرين جميعا اى من اجل تقدمة بعضهم لبعض ومن اجل الرئيس الاول وهذا هو الذى دل عليه بقوله ولنفحص ايضا كيف فى طبع الكل الخير والفاضل هل هو شئ متميز بذاته او بالترتيب او بالنوعين كالجيش يريد انه ينبغى له ان يفحص هل الخير الذى فى هذه الموجودات اعنى الذى من اجله وجدت هو شئ خارج عنها متميز منها ام هو فى ترتيب بعضها من بعض اعنى فى وجودها بعضها من اجل بعض ام هو موجود فيها فى الامرين جميعا اعنى من قبل الترتيب ومن قبل شئ خارج عنها كالحال فى الجيش فان فى الجيش الخير هو الذى من اجل قائد الجيش ومن اجل الترتيب الموجود فيه والخير الذى فى قائد الجيش هو خير اكثر من الخير الذى فى ترتيب الجيش لان الترتيب هو لمكان قائد الجيش وقائد الجيش ليس لمكان الترتيب الذى فى الجيش اذ كان قائد الجيش هو سبب الترتيب وليس الترتيب سببا لقائد الجيش وهذا هو الذى دل عليه بقوله فان فى الترتيب الجودة وقائد الجيش وهذا اكثر يريد فان الخير فيهما جميعا لكنه فى قائد الجيش اكثر ثم اتى بالسبب فى ذلك فقال فانه ليس هذا لمكان الترتيب بل ذلك لعلة هذا يريد فان قائد الجيش ليس هو لمكان ترتيب الجيش بل ترتيب الجيش هو لمكان القائد ولما كان الخير يوجد فى هذا الكل من الوجهين جميعا اعنى من قبل الترتيب ومن قبل الشئ الذى من اجله الترتيب وهو المبدا الاول وكان جميع ما دون المبدأ الاول ليس يستوى فى وجود الترتيب فيه اذ كان بعضه يوجد فيه الترتيب التام من غير ان يخل ذلك ما بالعرض وهذه هى حال الاجرام السماوية وبعضه يوجد فيه عدم الترتيب بالعرض وهو ما دون الاجرام السماوية وكان اشبه شئ بما يحتوى عليه المنزل الواحد الذى يضم الاحرار والعبيد فان الاحرار لا يفعلون فعلا الا من اجل تدبير صاحب المنزل واما العبيد فكثيرا ما يفعلون افعالا غير موافقة لتدبير المنزل اخذ يفهم هذا المعنى فى العالم بتمثيله ذلك بما يوجد فى المنزل فقال وقد رتبت معا جميع الاشياء بنوع ما الا انه ليس بترتيب متشابه السابح والطائر والغروس يريد واذا تؤملت جميع الموجودات التى فى العالم وجدت قد رتبت كلها لا على وتيرة واحدة بل بعضها فى ذلك اكثر من بعض مثل الجمال فى السابح من الحيوان والطائر والنبات ثم قال وليست فى حال كانه لا يضاف منها شئ الى شئ البتة يريد وليست تلفى عند النظر والاعتبار عديمة الترتيب اصلا وهو ان تكون فى الحال التى لا يوجد شئ منها من اجل شئ بل يظهر فيها الترتيب ثم قال وجميعها رتبت معا بالاضافة الى شئ واحد يريد وذلك انه يظهر ان الذى يشتمل جميعها انها كلها موجودة بسبب شئ واحد وان افعالها متوجهة نحو ذلك الواحد وهذه العلة الاولى التى من اجلها العالم كما ان كل ما يوجد فى المنزل فمعروف من امره انه من اجل صاحب المنزل ثم قال ولاكن كما ان احرار البيت قل ما يطلق لهم فعل ما ادركوا بل جميع افعالهم او اكثرها مرتبة واما المماليك والسباع فان اعمالهم المشاركة لاعمال أولائك قليلة يريد ان افعال الاجرام السماوية فى كونها مشاركة بعضها لبعض فى قوام العالم هو بمنزلة فعل الاحرار فى قوام المنزل وذلك انه كما ان الاحرار ليس يطلق لهم كل ما اشتهوا من الافعال بل افعالهم كلها من اجل معونة بعضهم بعضا كذلك الامر فى الاجرام السماوية واما فيما دونه من الموجودات فالحال فيهم كالحال فى العبيد والسباع التى تحرس المنازل وذلك انه كما ان العبيد افعالهم المشاركة للاحرار قليلة واكثر من ذلك السباع كذلك الامر فيما دون الاجرام السماوية مع الاجرام السماوية ثم اتى بالسبب الذى من قبله كان النظام الموجود فى افعال الامور الهيولانية يعد قليلا فقال فان بدء كل واحد منها مثل هذا مثل الطبع يريد وانما كان ذلك كذلك لان مبدا كل واحد من هذه ليس يمكن فيه ان يوجد له بالطبع اكثر من هذا ويحتمل ان يريد فان مبدا كل واحد من هذين الصنفين اعنى الارادى والطبيعى يقتضى ان يوجد له عند المشارك مثل هذا العرض وينبغى ان تعلم ان هذا هو رأى ارسطو فى العناية وان به تنحل الشكوك العارضة فى العناية وذلك ان هاهنا قوما قالوا انه ليس يوجد هاهنا شئ الا والله يعتنى به لانهم زعموا ان الحكيم ليس ينبغى ان يترك شيئا دون عناية ولا ان يفعل شرا وان افعاله كلها عدل فعاند قوم هذا القول بما يوجد كثيرا من حدوث اشياء هى شرور وليس ينبغى للحكيم ان يفيدها فصار هولاء الى الطرف المناقض وقالوا لذلك انه ليس هاهنا عناية اصلا والحق فى ذلك ان العناية موجودة وان ما جرى على غير عناية هو من ضرورة الهيولى لا من قبل تقصير الفاعل حتى اخرج قوم النظر فى هذا الى القول بان هاهنا الاهين الاه خالق للشر والاه خالق للخير
مخ ۱۷۱۵