شرح ما بعد الطبیعة
شرح ما بعد الطبيعة
قال ارسطاطاليس فاما ان جوهر ما ازلى وغير متحرك مفارق للمحسوسات فبين مما قيل وقد اوضح انه لا يمكن ان يكون لهذا الجوهر عظم البتة بل هو لا جزء له ولا قسمة لانه يحرك زمانا لا نهاية له وليس شئ متناه له قوة لا متناهية فاذا كل عظم اما لا متناه واما متناه فلهذه العلة لا يكون فى العظم المتناهى ولا يكون لا متناهى لان ليس عظم لا متناه البتة وايضا بين انه لا ينفعل ولا يتغير فان جميع الحركات الاخر بعد المكانية فهذه الاشياء بينة انها على هذه الحال التفسير انه يذكر بما تبين له فى القول المتقدم وهو ان هاهنا جوهر ما ازلى هو غير متحرك وهو مفارق لجميع المواد اما انه جوهر وانه عقل وانه محرك كمثل ما يحرك المحبوب المحب الى سائر ما تبين من صفات هذا المحرك فهو شئ تبين فى هذه المقالة واما انه غير متحرك ومفارق للهيولى فقد تبين فى اخر الثامنة من السماع وهو يذكر بذلك ايضا فى قوله وقد اوضح انه لا يمكن ان يكون لهذا الجوهر عظم البتة بل هو لا جزء له ولا قسمة يريد وقد تبين فى العلم الطبيعى انه لا يمكن ان يكون هذا المحرك قوة فى جسم ولا هو جسم لانه ليس هو ذوا اجزاء ولا منقسم لا بالذات ولا بالعرض وكل جسم فهو ذوا اجزاء ومنقسم ثم اتا بالسبب الذى من قبله لا يصح فيه ان يكون ذا اجزاء لا بالذات ولا بالعرض فقال لانه يحرك زمانا لا نهاية له يريد فيجب ان يكون له قوة غير متناهية ثم قال وليس شئ متناه له قوة غير متناهية يريد وانما وجب ان يكون ما له قوة غير متناهية غير جسم لان كل جسم متناه وليس شئ متناه له قوة لا متناهية فيأتلف القياس هكذا المحرك الاول له قوة غير متناهية وكل جسم او قوة فى جسم متناه فيلزم عن ذلك فى الشكل الثانى ان المحرك الاول ليس بجسم ولا قوة فى جسم ولما كان انما لزم فى الجسم ان يكون ذا قوة متناهية من قبل ان كل جسم متناه والقوى الجسمانية منقسمة بانقسامه اخذ ياتى بالسبب فى ذلك فقال فاذا كل عظم اما لا متناه واما متناه يريد وانما وجب ان تكون كل قوة فى جسم متناهية لانها ان كانت غير متناهية وجب ان تكون اما فى جسم غير متناه واما فى جسم متناه وليس يمكن ان يوجد جسم غير متناه فهى اذا فى جسم متناه وان كانت فى جسم متناه قوة غير متناهية لزم ان يحرك ذلك الجسم فى الان على ما تبين فى المقالة الثامنة من السماع لانه فى هذا الموضع انما يذكر بهذه الاشياء تذكارا ما وهذا هو الذى دل عليه بقوله فلهذه العلة لا يكون فى العظم المتناهى ولا يكون لا متناهى لان ليس عظم لا متناه البتة يريد ان العلة فى كون القوة الغير متناهية لا تكون فى الجسم الغير المتناهى ولا فى الجسم المتناهى اما فى الجسم غير المتناهى فلأن الجسم الغير متناه غير موجود واما فى المتناهى فلانها منقسمة بانقسام الجسم والمنقسم بانقسام المتناهى متناه وقد شك يحنى النحوى على المشائين فى هذه المسئلة شكا شديد الاعتياص وذلك انه قال اذا كان كل جسم فله قوة متناهية والسماء جسم فلها قوة متناهية وكل متناه فاسد ضرورة فالسماء فاسدة فان قيل انما استفادت عدم الفساد من قبل القوة الازلية المفارقة لزم ان يوجد شئ ممكن الفساد وهو ازلى وهذا شئ قد تبين امتناعه فى اخر الاولى من السماء والعالم فنقول له انها العجيب ان قوله كل جسم فله قوة متناهية هو حق لاكن القوة تقال على معان كثيرة فمنها القوة التى فى الجوهر والتى فى الاستحالة والتى فى الاين وقد تبين انه ليس يلفى للجرم السماوى من هذه القوى الا القوة فى المكان فقط فاذا هذه المقدمة انما هى عامة فى كل جسم اذا فهم من القوة القوة فى الاين اعنى قولنا كل جسم ففيه قوة متناهية فان قولنا كل قوة فى جسم هى متناهية هو حق اى قوة كانت وقولنا كل جسم فيه اى قوة كانت فهى متناهية قول حق وليس يلزم من ذلك ان يكون كل جسم فيه كل قوة فاذا الجرم السماوى ليس فيه قوة الا القوة فى الاين فقط فان كانت القوة التى يتحرك بها هذه الحركة السرمدية فيه فلا تخلو ان تكون متناهية او غير متناهية فان كانت فيه غير متناهية لزم ان تكون حركته فى الان وان كانت متناهية امكن ان يسكن لكن قد تبين انه لا يسكن فليس يتحرك بقوة فيه فهو يتحرك بقوة لا فى موضوع اصلا لكن قد يسأل سائل فيقول ان كان يتحرك عن قوة فعلها غير متناه فقد يجب ضرورة ان يكون تحريكها اياه فى غير زمان كما الزمتم اذا كانت فيه والجواب فى ذلك ان يقال له ان هذه الحركة قد تبين من امرها انها مؤلفة من محركين محرك متناهى التحريك وهى النفس التى فيه ومحرك غير متناهى التحريك وهى القوة التى ليست فى مادة فمن جهة انه يتحرك عن القوة المتناهية التى فيه يتحرك فى زمن اذ كان معنى التناهى هو ان لها نسبة محدودة الى المتحرك وهى فى جوهرها ازلية كما ان موضوعها ازلى اعنى انه ليس فى واحد منها امكان فى الجوهر وانما الامكان فى موضوعها فى قبول الحركة وفيها فى التحريك فقط وباختلاف هذه النسبة فى الاجرام السماوية اعنى التى بين اجرامها وانفسها اختلفت فى السرعة والبطء وباجتماعها فى انها تتحرك عن قوة فى غير هيولى وجد لها دوام الحركة واتصالها ومن هذه الجهة قد يصدق على الجرم السماوى ايضا انه يوجد فيه قوة متناهية وهذا هو معنى ما يقوله ارسطو فى السماء انه لو كانت فى السماء الاولى كواكب اكثر او ابطأ لكانت حركتها ابطأ او كانت لا تتحرك اصلا لا من جهة ان كلالا كان يلحقها لاكن من جهة عدم النسبة التى كانت بين المحرك فيها والمتحرك وذلك ان المحرك انما يحرك بفضل قوته على قوة المتحرك وكل ما عظم المتحرك عظم قوته فاذا لم تفضل قوة المحرك عليه لم يمكن ان يحركه وان فضلت فضلا يسيرا حركه ببطئ وانما وجب الا يكون فى الجرم السماوى قوة على الفساد لانه ليس له ضد فهو باق بذاته وجوهره لا بمعنى فيه واما الحركة فليست تمكن ان تكون باقية بجوهرها اذ كان لها ضد وهو السكون فمن جهة بقاء الحركة وجب علينا ان ندخل معنى باقيا فى ذاته بخلاف البقاء الذى فى الجوهر ولذلك ليس فى السماء امكان الا فى ان تسكن لاكن هذا الامكان قد تبين امتناعه فواجب ان يكون ذلك من قبل محرك ليس فيه قوة اصلا لا بالذات ولا بالعرض وما كان بهذه الصفة فليس فى هيولى ولهذا المعنى يقول ارسطو بانا لسنا نتخوف على السماء فى وقت من الاوقات ان تقف ولم يقل ان تفسد لان الفساد ليس هو ممكنا فيها كما هو السكون ولذلك لا يصح ان يقال ان هاهنا شئ ممكن من ذاته ازلى وضرورى من غيره كما يقول ابن سينا ان الواجب منه ما هو واجب بذاته وواجب بغيره الا فى حركة السماء فقط واما ان يوجد شئ هو فى جوهره ممكن وهو من قبل غيره ضرورى الوجود فلا يمكن ذلك لان الشئ الواحد لا يمكن ان يكون من قبل جوهره ممكن الوجود ويقبل من غيره الوجود الضرورى الا لو امكن فيه ان ينقلب طبعه واما الحركة فيمكن فيها ان تكون واجبة من غيرها ممكنة من ذاتها والسبب فى ذلك ان الوجود لها من غيرها وهو المحرك فان وجدت سرمدية فواجب ان يكون من قبل محرك لا يتحرك لا بالذات ولا بالعرض فالبقاء للحركة من قبل غيرها واما للجوهر فمن قبل ذاته ولذلك لم يمكن ان يوجد جوهر ممكن من ذاته ضرورى من غيره وامكن ذلك فى الحركة فكل قوة محركة هى فى جسم فهى ضرورة متحركة بالعرض وكل متحرك بالعرض محرك بالذات فهو ممكن السكون من ذاته متحرك من غيره فان كانت هاهنا قوة فى جسم ليس يمكن فيها ان تقف عن التحريك فى وقت من الاوقات فهى ضرورة متحركة عن محرك ليس فيه قوة اصلا لا بالذات ولا بالعرض وهذه هى حال الجرم السماوى فهذا هو معنى قول ارسطو ان كل قوة فى جسم فهى متناهية اى فعلها ممكن ان يتناهى فما كان من الاجسام فيه قوة فى الجوهر فواجب ان يتغير جوهره وليس يمكن ان يستفيد البقاء والدوام من غيره الا لو انقلب جوهره وما كان من الاجسام يوجد له القوة فى الاين فقط فهذه القوة يمكن ان يقال فيها انها ممكنة من ذاتها واجبة من غيرها وايضا فان الجرم السماوى قد تبين انه متحرك من تلقائه وكل متحرك من تلقائه ممكن ان يسكن من تلقائه واعنى بالمتحرك من تلقائه كل متحرك عن ارادة وشوق لاكن قد تبين استحالة سكون الجرم السماوى فواجب ان يكون الدوام لحركته من قبل محرك ليس فيه قوة اصلا على نوع من انواع التغير لا بالذات ولا بالعرض فالمحرك اذا ضرورة للجرم السماوى قوة غير هيولانية ولذلك ينبغى ان يعتقد ان كل ما وجدت له حركة فى المكان سرمدية فقد يجب ضرورة ان يكون سرمدى الجوهر واذا وجد سرمدى الجوهر فليس يلزم ضرورة ان تكون حركته فى الاين سرمدية لاكن ان وجدت حركته فى الاين سرمدية فواجب ان تكون حركته من محرك ليس هو جسم ولا قوة فى جسم لا سرمدى ولا غير سرمدى وهذا المعنى فى غاية الغموض ولذلك كان هذا الموضع مزلة العلماء وذلك انه اذا تبين ان هذا الجسم ازلى فى جوهره فقد يمكن ان يظن انه ليس يحتاج فى هذا الوجود الى ادخال مبدا غيره هو اشرف منه وذلك انه قد يظن ان قولنا كل قوة فى جسم فهى متناهية ليس هو صادقا الا على الاجسام الهيولانية الكائنة الفاسدة واما ان وجد هاهنا جرم ازلى فى جوهره فقد يظن انه يلزم ان تكون قوته المحركة ازلية التحريك وفى هذا الموضع زلت الصابئة وعلماؤها والى هذا المعنى الاشارة بقوله سبحانه وكذلك نرى ابراهيم ملكوت السماوات والارض وليكون من الموقنين الاية وارسطو يتمسك فى هذا بمقدمتين احداهما ان كل قوة فى هيولى فهى متناهية والثانية ان الفعل الغير متناه ليس يكون عن قوة متناهية فيلزم عنها ان المحرك الحركة الغير متناهية هى قوة ليست فى هيولى وهو يتكلف بيان هاتين المقدمتين فى الثامنة من السماع والذين يردون هذا قالوا ان المقدمة القائلة ان الكواكب ان كان فيها قوى فهى متناهية فانما كانت تصدق لو كانت الكواكب مركبة من مادة وصورة وقالوا انه يمكن ان يكون فيها قوى وتكون غير متناهية الفعل قالوا وذلك ان تناهى التحريك والفعل انما يعرض من قبل استحالة المحرك عن المتحرك فيلحقه الكلال وما لا يستحيل فى جوهره ولا يلحقه الكلال فغير ممتنع فيه ان يفعل فعلا لا نهاية له وتامسطيوس يقول فى هذا الموضع ان من قال فى الشمس وسائر الكواكب انها متناهية وان لها قوى لا نهاية لها لم يصب فى قوله لان القوة التى فى الكواكب وهى التى لا نهاية لها ليست طبيعية فيها ولا على انها اجسام لكنها اما معلقة بالعلة الاولى واما النفس فيها من تلك القوة التى ليست بجسم وذلك ان العلة الاولى هى التى تديرها زمانا لا نهاية له لانه لو كان ما لها بالقوة بمنزلة ما للجسم وما للعظم ولم تكن دائما بالفعل كانت لا محالة تستتعب وتحتاج الى راحة وذلك ان اجسام الكواكب لما كانت فيها ما هو بالقوة كانت قواها بحسب ذلك متناهية وذلك انها فى كل واحد من الاوقات فى موضع غير الموضع الاول فمرة تكون فى مكان ومرة فى مكان اخر وهذه الاماكن بمنزلة نهايات الحركة وليس يمكن فيما هو بالقوة اذا كان ياتى بعده ما هو بالفعل وهو الذى مقصوده اليه الا يكون له نهاية وطرف واما العلة التى ليس فيها اصلا ما هو بالقوة لاكنها دائما بالفعل وليس من شانها ان تختلف فى وقت بعد وقت فكيف يمكن ان يتوهم ان لها عظما وجسما بمنزلة هذه الاشياء التى يرا فيها دائما ما هو بالقوة كانت تقبل الفساد او لا تقبله وبالجملة فان الفعل المفرد بذاته يمكن ان يدوم بلا نهاية مع دوام الزمن فاما الفعل الذى يخرج عما هو بالقوة فهو انقضاء ذلك الشئ الذى بالقوة وليس يمكن فى مثل هذا الفعل ان يدوم زمانا لا نهاية له اذ كان قد تقدمه ما هو بالقوة وهو قبله فيجب اذا ان تكون القوة المحركة التى فى الكواكب لا نهاية لها لان استفادة الكواكب هذه القوة ليست هى على جهة ما بالقوة واما حركاتها فى هذا المكان فمتناهية وذلك ان ما هو بالقوة فانما هو فى الكواكب بحسب هذه الاحوال فهذا ما قاله تامسطيوس نصا فى هذه المسئلة وتلخيص ما يقوله ان كل متحرك فى موضوع فتحركه الى شئ هو بالقوة وكل ما تحرك الى شئ هو بالقوة فحركته متناهية اذ ما بالقوة لا بد ان يخرج الى الفعل فكل ما تحرك حركة دائمة فحركته الى ما هو بالفعل دائما وما هو بالفعل دائما فليس جسما ولا فى جسم لان كل ما فيه قوة فهو اما جسم واما قوة فى جسم فاذا ما ليس فيه قوة فهو لا جسم ولا قوة فى جسم والذى يعتمده ارسطو فى هذا المعنى هو ان كل فعل مستو غير متناه اى لم يزل ولا يزال فانه انما يكون عن قوة فعلها غير متناه وهى التى لا يلحقها تغير اصلا من قبله يختل فعلها وكل قوة محركة فى المكان فى جسم يلحقها تغير فانه لا يكون فعلها دائما لانها متحركة من غيرها هذا الذى ينبغى ان يفهم من غير المتناهى التحريك واذا كان هذا هكذا فالقوى المحركة التى فى الاجسام ضربان اما قوى فى اجسام كائنة فاسدة وهذه ليس يمكن ان تحرك دائما ذواتها من قبل تغيرها فى انفسها وتغير موضوعها ولذلك يلحق امثال هذه ولا بد الكلال واما قوى محركة فى اجسام ازلية وهذه يمكن فيها ان تحرك دائما والا تحرك دائما اما كونها غير محركة دائما فاذا فرضنا الذى اليه تتحرك وهو المحرك الاول يلحقه التغير باى نوع اتفق من انواع التغير واما كونها متحركة دائما فاذا كان الذى اليه تتحرك غير متغير بنوع من انواع التغير وهذا هو الا يكون جسما اصلا فان كان هاهنا متحرك ازلى فواجب ان يتحرك بقوة فيه عن محرك لا يلحقه نوع من انواع التغير وما هو بهذه الصفة فليس هو ذو هيولى باضطرار فهذا هو معنى قول ارسطو ان كل فعل غير متناه فانه يصدر عن قوة غير متناهية اى غير متناهية الفعل لا عن قوة متناهية اى متناهية الفعل وقد يظهر هذا ايضا بوجه اخص وذلك ان الجرم السماوى متنفس ضرورة. واذ قد تقرر هذا فلنرجع الى ما كنا فيه من الشرح وقوله وايضا بين انه لا ينفعل ولا يتغير فان جميع الحركات الاخر بعد المكانية يريد وهو بين ايضا فى هذا المحرك الذى يحرك دائما وعلى حالة واحدة انه لا ينفعل ولا يستحيل فانه اذا لم يتحرك فى المكان لم يجر عليه شئ من سائر الحركات فان الحركة فى المكان هى المتقدمة على جميع الحركات فاذا لم يمكن ان يوجد له الاشرف فاحرى الا يوجد له الاخس وذلك ان الجرم السماوى لما كان اشرف من جميع الاجسام وجد له من الحركات اشرفها وهى الحركة فى المكان فقط ولما كان هذا المحرك هو اشرف من الجرم السماوى كان السبب فى ثباته بالحال الافضل اذ وجوده انما هو فى الحركة وقوله فهذه الاشياء بينة انها على هذه الحال˹ يشير به الى جميع ما بينه من امر هذا المحرك الاول الذى ليس فى هيولى وذلك ان كل محرك هو فى هيولى فليس هو اول وانما هو متحرك عن الاول
[42] Textus/Commentum
مخ ۱۶۳۹