شرح ما بعد الطبیعة
شرح ما بعد الطبيعة
قال ارسطو فظاهر انه لا حاجة بنا بوجه من الوجوه بسبب هذه ان تكون الصور موجودة وذلك ان انسانا يولد انسانا الذى هو واحد واحد انسانا من الناس وعلى هذا المثال فى الصناعات وذلك ان الصناعة الطبيعة هى كلمة الصحة التفسير لما بين ان العلل منها فاعلة وهى المتقدمة على الوجود ومنها ما هى اجزاء الشئ الموجود وهى معه يقول انه ظاهر انه ليس يستدعى طلبنا الاسباب الفاعلة للكائنات ان نقول بالصور التى قال بها افلاطون فانه اذا كان الشئ انما يكون من المواطئ له بالاسم فلا حاجة بنا بوجه من الوجوه الى ان تكون الصور موجودة فان الانسان انما يولده انسان مثله والفرس فرس مثله واحد لواحد وجزئى لجزئى لا كلى لجزئى كما يقول القائل بالصور وذلك ان الامر فى الطبيعة فى كون الشئ عن المواطئ له بالاسم هو كالامر فى الصناعة وذلك ان الصناعة الفاعلة للصحة وهى صناعة الطب هى صورة الصحة الموجودة فى نفس الطبيب وكما ان الصانع ليس يحتاج عندما يفعل الى مثال ينظر اليه حتى يفعل اذ كان ما عنده من صورة المصنوع كافيا له فى الفعل من غير ان يحتاج الى مثال ينظر اليه كذلك الامر فى الطبع الفاعل انما يفعل من جهة ما عنده صورة المفعول بعينها ولذلك وجب ان يكون المواطئ من المواطئ ونامسطبوس يقول ان هذا القول هو مقنع فى رفع الصور الا ان صاحبه اغفل كثرة ما يحدث من الحيوان من غير مثله على كثرته فانا قد نرى جنسا من الزنابير يتولد من ابدان الخيل الميتة ونرى النحل يتولد من ابدان البقر الميتة ونرى الضفادع تتولد من العفن ونرى الجرجس وهو نوع من الذباب صغير الجثة يتولد من الخمر اذا فسدت فانا لسنا نجد الطبيعة تنشئ هذه الاشياء مما هو مثله فى الصورة ونحن نتيقن ان فى المنى والبزر من كل واحد من الحيوان والنبات نسبا تخصه بها صار يتولد ما يتولد منه خاصة من الحيوان والنبات دون غيره حتى لا يكون من منى الانسان فرس ولا من منى الفرس انسان ولا من بزر نبات من النبات نبات غيره فاين نظائر هذه النسب فيما يتولد منه هذا الحيوان لولا انه قد جعل فى الطبيعة قبل نسب مستعدة متهيئة لاحداث اى نوع امكن من انواع الحيوان مع وجودها عنصرا ملائما لحدوث حيوان ما عنه قال ولا يغرنك الاحتقار لاشباه هذا من الحيوان لكن اخطر ببالك انه يعجبنا من الصانع حذقه فى عمل ما يعمله من الطين اكثر مما يعمله من الذهب والعاج على انك ان دققت النظر فى امر الحيوان الذى هو اكبر من هذا وجدت ستسلك الطبيعة فيه هذا المسلك بعينه فلا بد من ان تكون انساب وصور قد جعلت فى الطبيعة عليها تعمل ما تعمل من ذلك فان الانسان وان كان انما يتولد عن انسان فان الاب ليس له صنع فى تركيبه هذا الذى لا يمكن ان يكون بحال اخرى هى افضل من حاله وانما يصير بهذه الحال لما قد جعل فى طبيعة كل واحد من الجواهر من النسب والصور لا بصنع من الاب لاكن من النسب والجسم ليس له عمل فى الجسم الا فى نهايته فقط فاما الطبيعة فتعمل فى جثة الجسم باسره وليس بعجب ان تكون الطبيعة وهى لا تفهم سواقة ما تعمله الى الغرض المقصود اليه اذ كانت لا تدرى ولا تفكر فى فعل ما تفعل وهذا مما يدلك على انها قد الهمت الهاما تلك النسب من سبب هو اكرم منها واشرف واعلى مرتبة وهى النفس التى فى الارض التى يرى افلاطون انها حدثت عن الالهة الثوانى ويرى ارسطاطاليس انها حدثت عن الشمس والفلك المائل ولذلك صارت تفعل ما تفعل مستاقة نحو الغرض وهى لا تفهم الغرض كما قد نرى القوم الذين يلهمون ان يتكلموا الكلام ينبئون به عما يكون وهم لا يفهمون ما يقولون وجملة القول انه لا بد من ان يكون فى الطبيعة انساب وصور اذ كان يحتاج فى تولد الشئ الى مثله وليس يوجد لجميع ما يتولد مثل يتولد منه لكنا متى احتجنا الى صورة من الصور كان منا فعل ما نعلم انه لا تحدث به وحده تلك الصورة فتحدث حينئذ تلك الصورة كانها كانت كامنة فى شئ اخر وهى بالحقيقة كامنة فى الطبيعة المولدة فهذا جملة ما يقوله هذا الرجل فى معاندة قول الحكيم والظاهر من كلام هذا الرجل انه لم يفهم كيف يكون الكون وما معنى قولنا ان المتكون يتكون عن مواطئ له بالحد والجوهر فانه لما فهم ان المتكون انما يخترعه اختراعا مواطئ مثله اى يخلق صورته ويثبتها فى الهيولى كانها شئ اخر غير الهيولى لزم عنه ان يكون فى الامور الطبيعية صور تخترع الحيوانات والنبات المتولدة من العفونة اعنى صورا تعطى المتنفس الخلقة والنفس ويلزم فى هذه الصور ان كان الفاعل هو المواطئ ان تكون نفوسا اما مفارقة واما غير مفارقة لاكن ان كانت النفوس الغير مفارقة انما هى فى الات خاصة بها وكان ليس يظهر لهذه الصور المولدة لصور الحيوانات المتولدة من العفونة الات ولا موضوعات خاصة فهى مفارقة او يقول قائل انها غير مفارقة ولاكن ليس يوجد لها من الالات الا الالة الاولى وهى الحرارة الحيوانية لاكن ان كانت هذه بهذه الصفة فهى حادثة فعن أى شئ حدث امثال هذه الصور وكل حادث فعن المواطئ فلذلك يظن ان هذا القول مضطر الى القول بالصور وليس يلزم هذا فى الحيوانات المتولدة من العفونة بل وفى البزور فانه اذا قلنا انه يجب ان يكون فى البزور قوى وصور تشبه الامور الصناعية وهى الفاعلة لذوات البزور وفرضناها حادثة لزم ان يكون لها صور اخر تحدثها فيلزم ان يكون هاهنا ولابد صور مفارقة ومن هاهنا قال قوم ان الصور الجوهرية كلها تحدث عن صورة مفارقة من خارج وهى التى يسميها قوم بواهب الصور ويقولون ان هذا هو العقل الفعال ويحتجون لذلك بان يقولوا ان القوى الفاعلة انما هى الكيفيات الاربع التى هى الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة وانه ليس فى الهيولى شئ يفعل غير هذه اعنى انما تفعل مثلها واما الصور الجوهرية فليس تفعل بعضها فى بعض فالنار مثلا اذا فعلت نارا مثلها من جسم ثقيل لم تفعل الصور الجوهرية التى فيها التى هى مثلا الخفة فى ذلك الجسم الثقيل الذى صيرته نارا خفة مثلها اذ قد صرح فى كتاب الكون والفساد وفى غير موضع انه ليس فى النار قوة فاعلة الا الحرارة واذا كان هذا هكذا فحدوث صورة النار مثلا فى الجسم المحترق عن نار اخرى مثلها يجب ان يكون ذلك على احد وجهين اما ان يكون حدوث صورة النار فى الجسم المحترق تابعا لحدوث الحرارة النارية فيه كما تتبع الاعراض فى الحدوث الصور وذلك شنع ويلزم على هذا ان تكون الصورة حادثة عن لا صورة ويطردون هذا فى النفس وفى جميع الصور الجوهرية ويقولون انا لسنا نرا نفسا تحدث عن نفس وانما تحدث عن لا نفس فان كان الحدوث عن المواطئ فى الاسم فيجب ان يكون هاهنا نفس مفارقة هى التى كونت هذه الانفس وهذا شئ قد صرح به تامسطيوس فى كتابه فى النفس فى آخر المقالات التى تكلم فيها فى العقل كما صرح به هاهنا حيث يقول ان هذه النفس هى التى يرى افلاطون انها وجدت عن الالهة الثوانى ويرى ارسطو انها وجدت عن الشمس والفلك المائل وهذه المسئلة هى فى غاية من الصعوبة والعواصة ونحن نقول فى ذلك بحسب قوتنا واستطاعتنا وبحسب المقدمات والاصول التى تقررت لدينا من مذهب هذا الرجل الذى وجدنا مذهبه كما يقول الاسكندر اقل المذاهب شكوكا واشدها مطابقة للوجود واكثرها موافقة له وملاومة وابعدها عن التناقض فنقول بان كل من اثبت سببا فاعلا واثبت الكون نجدهم بالجملة انقسموا الى مذهبين فى ذلك فى غاية التضاد وبينهما متوسطات فاما المذهبان اللذان فى هذا المعنى فى غاية التضاد فمذهب اهل الكمون والثانى مذهب اهل الابداع والاختراع اما مذهب اهل الكمون فهم القائلون ان كل شئ فى كل شئ وان الكون انما هو خروج الاشياء بعضها من بعض وان الفاعل انما احتيج اليه فى الكون لاخراج بعضها من بعض وتمييز بعضها من بعض وبين ان الفاعل عند هولاء ليس شيئا اكثر من محرك واما مذهب اهل الاختراع والابداع فهم الذين يقولون ان الفاعل هو الذى يبدع الموجود بجملته ويخترعه اختراعا وانه ليس من شرط فعله وجود مادة فيها يفعل بل هو المخترع للكل وهذا هو الرأى المشهور عند المتكلمين من اهل ملتنا ومن اهل ملة النصرى حتى لقد كان يحنى النحوى النصرانى يعتقد انه ليس هاهنا امكان الا فى الفاعل فقط على ما حكا عنه ابو نصر فى الموجودات المتغيرة واما الاوساط التى بين هذين الرأيين فيشبه ان ترجع الى رأيين ينقسم احدهما الى اثنين فتكون ثلثة والذى يشمل هذه الآراء الثلاثة انهم يضعون الكون تغيرا فى الجوهر وانه ليس يتكون عندهم شئ من لا شئ اعنى انه لا بد فى الكون عندهم من موضوع وان المتكون انما يحدث عن ما هو من جنسه بالصورة فالرأى الواحد منها هو رأى من يرى ان الفاعل هو الذى يخترع الصورة ويبدعها ويثبتها فى الهيولى وهؤلاء منهم من يرى ان الفاعل الذى بهذه الصفة ليس هو فى هيولى اصلا وهو الذى يسمونه واهب الصور وابن سينا من هولاء ومنهم من يرى ان الفاعل الذى بهذه الصفة يوجد بحالتين اما مفارقا للهيولى واما غير مفارق فالغير مفارق عندهم مثل النار تفعل نارا والانسان يولد انسانا والمفارق هو المولد للحيوان والنبات الذى لا يوجد عن حيوان مثله ولا عن بزر مثله وهذا هو مذهب تامسطيوس ولعله مذهب ابى نصر فيما يظهر من قوله فى الفلسفتين وان كان شك فى ادخال هذا الفاعل فى الحيوان المتناسل واما المذهب الثالث فهو الذى اخذناه عن ارسطو وهو ان الفاعل انما يفعل المركب من المادة والصورة وذلك بان يحرك المادة ويغيرها حتى يخرج ما فيها من القوة على الصورة الى الفعل وهذا الرأى فيه شبه من رأى من يرى ان الفاعل انما يفعل اجتماعا وانتظاما للاشياء المتفرقة وهو مذهب ابندقليس وقد كنا اغفلنا هذا المذهب فى الفاعل عند ذكر مذاهب الناس الا ان الفاعل عند ارسطو ليس هو جامع بين شيئين بالحقيقة وانما هو مخرج ما بالقوة الى الفعل فكانه جامع بين القوة والفعل اعنى الهيولى والصورة من جهة اخراج القوة الى الفعل من غير ان يبطل الموضوع القابل للقوة فيصير حينئذ فى المركب شيئان متعددان وهو المادة والصورة وهو يشبه الاختراع ايضا من جهة انه يصير ما كان بالقوة الى الفعل ويفارق الاختراع بانه ليس يأتى بالصورة من لا صورة وكذلك فيه شبه من الكمون وكل من قال بالاختراع او الكمون او الجمع والتفريق فانما اموا هذا المعنى فوقفوا دونه فمعنى قول ارسطو ان المواطئ يكون من المواطئ او قريب من المواطئ ليس معناه ان المواطئ يفعل بذاته وصورته صورة المواطئ له وانما معناه انه يخرج صورة المواطئ له من القوة الى الفعل وليس هو فاعل بان يورد على الهيولى شيئا من خارج او شيئا هو خارجا عنها والحال فى الجوهر فى ذلك هو كالحال فى سائر الاعراض فانه ليس يورد الحار على الجسم المستحر حرارة من خارج وانما يصير الحار بالقوة حارا بالفعل وكذلك الامر فى العظم التابع للكون اعنى ان العظم اذا انتقل عند الكون من كمية الى كمية لم ينتقل من قبل كمية واردة عليه من خارج وكذلك الحركة فى المكان ليس هى شئ ورد من خارج عن المحرك ولذلك ليس يلزم ان يكون الفاعل ولا بد مواطئ هو هو من جميع الوجوه فالمولد للنفس ليس معناه انه يثبت نفسا فى الهيولى وانما معناه انه يخرج ما كان نفسا بالقوة الى ان يصير نفسا بالفعل ولذلك نجد النار تتكون عن الحركة كما تتكون عن نار مثلها ومعنى النسب والصور الموجودة فى المكونات للحيوانات هو انها تخرج النسب والصور التى فى الهيولى من القوة الى الفعل وكل مخرج شيئا من القوة الى الفعل فيلزم ان يوجد فيه بوجه ما ذلك المعنى الذى اخرجه لا انه هو هو من جميع الوجوه فالقوى التى فى البزور وهى التى تفعل اشياء متنفسة ليست اشياء متنفسة بالفعل وانما هى متنفسة بالقوة كما يقال فى البيت الذى فى نفس البناء انه بيت بالقوة لا بالفعل ولذلك يشبه ارسطو هذه القوى بالقوى الصناعية ويقول فى كتاب الحيوان ان هذه القوى هى الاهية اذ كان فيها قوة على اعطاء الحياة وهى شبيهة بالقوى التى تسمى عقولا لكونها سواقة الى الغاية ولما كانت هذه البزور انما تفعل ذلك بالحرارة التى فيها والحرارة بما هى حرارة ليس تفعل الا تسخينا او تيبيسا او تصليبا لا شكلا ولا صورة متنفسة يقول ارسطو فى كتاب الحيوان ان هذه الحرارة ليست نارا ولا هى من نار اذ كانت النار هى مفسدة للحيوان لا مكونة له وهذه الحرارة مكونة له ولذلك هذه الحرارة هى شبيهة بالحرارة الصناعية اعنى التى تقدرها الصناعة لفعل من الافعال التى تفعلها وذلك يتبين فى كل ما كان من الصنائع يفعل بحرارة ما وهذه الحرارة ذات صورة بها صارت محفوظة التقدير ضرورة وهذه الصورة ليست نفسا بالفعل ولاكن نفسا بالقوة وهى التى يشبهها ارسطو بالصناعة وبالعقل ولذلك يسمى هذه الحرارة حرارة نفسية وليس يقول فيها انها متنفسة وهذه الحرارة ذات الصورة هى فى البزور متولدة عن ذى البزور والشمس ولذلك يقول ارسطو ان الانسان يولده انسان مثله والشمس وهى متولدة فى الارض والماء من قبل حرارة الشمس الممتزجة بحرارة سائر الكواكب ولذلك كانت الشمس وسائر الكواكب هى مبدا الحياة لكل حى بالطبيعة فحرارة الشمس والكواكب المتولدة فى الماء والارض هى المكونة للحيوانات المتولدة من العفونة وبالجملة لكل ما يكون من غير بزر لا ان هناك نفسا بالفعل حدثت عن الفلك المائل والشمس كما يحكى عنه تامسطيوس وهذا كله قد تبين فى كتاب الحيوان وانما نسب هذا الفعل للشمس لانها اظهر الكواكب فعلا فى ذلك فالحرارات المتولدة عن حرارات الكواكب المولدة لنوع نوع من انواع الحيوانات وهى التى هى بالقوة ذلك النوع من الحيوان التقدير الموجود فى حرارة حرارة منها انما هو من قبل مقادير حركات الكواكب واحوال بعضها عند بعض فى القرب والبعد وهذا التقدير هو صادر عن المهنة الالهية العقلية التى هى مشبهة بالصورة الواحدة للصناعة الواحدة الرئيسية التى تحتها صنائع شتا فعلى هذا ينبغى ان يفهم ان الطبيعة اذا كانت تفعل فعلا فى غاية النظام من غير ان تكون عاقلة انها ملهمة من قوى فاعلة هى اشرف منها وهى المسمى عقلا وهذه النسب والقوى الحادثة فى الاسطقسات عن حركات الشمس وسائر الكواكب هى التى ظن بها افلاطون انها الصور واياها ام وهى التى نظر اليها كما ينظر الى الشئ من بعد فقال بالصور والذى يعتمده ارسطو فى ان الفاعل ليس يخترع الصورة هو انه لو اخترعها لكان شئ من لا شئ ولذلك ليس للصورة عنده كون ولا فساد الا بالعرض اعنى من قبل كون المركب وفساده وهذا الاصل هو الذى اذا لزمه الانسان عند توفية النظر فى هذه الاشياء ولم يغفله لم يعرض له فيها شئ من هذه الاغاليط فتوهم اختراع الصور هو الذى صير من صير الى القول بالصور والى القول بواهب الصور وافراط هذا التوهم هو الذى صير المتكلمين من اهل الملل الثلث الموجودة اليوم الى القول بانه يمكن ان يحدث شئ من لا شئ وذلك انه ان جاز الاختراع على الصورة جاز الاختراع على الكل ولما اعتقد المتكلمون من اهل ملتنا ان الفاعل انما يفعل بالاختراع والابداع من لا شئ ولم يعاينوا فيما هاهنا من الامور الفاعلة بعضها فى بعض شيئا بهذه الصفة قالوا ان هاهنا فاعلا واحدا لجميع الموجودات كلها هو المباشر لها من غير وسط وان فعل هذا الفاعل الواحد يتعلق فى آن واحد بافعال متضادة ومتفقة لا نهاية لها فجحدوا ان تكون النار تحرق والماء يروى والخبز يشبع قالوا لان هذه الاشياء تحتاج الى مبدع ومخترع والجسم لا يبدع الجسم ولا يخترع فى الجسم حالا من احواله حتى قالوا ان تحريك الانسان الحجر بالاعتماد عليه والدفع له ليس هو الدافع لكن ذلك الفاعل هو المخترع للحركة فان الاعتماد على الحجر لا يخترع منه حركة لم تكن وجحدوا لمكان هذا وجود القوة والخطأ فى هذا كله لائح لمن كان له بعض ارتياض فى هذا العلم اى العلم الالاهى ومن اعجب ما عرض لهولاء القوم ان قالوا ان الفاعل لا يقدر على اعدام الشئ قالوا لان فعل الفاعل انما يتعلق بالايجاد والاختراع لا بالاعدام فانظر كيف امتنع عندهم نقلة الفاعل للموجود من الوجود الى العدم ولم يمتنع عندهم نقلته من العدم الى الوجود فان قيل باى جهة يتعلق فعل الفاعل عندكم بالاعدام قلنا بالوجه الذى يتعلق به فى الايجاد وهو اخراج ما بالقوة الى الفعل فان الكائن بالفعل هو فاسد بالقوة وكل قوة فانما تصير الى الفعل من قبل مخرج لها هو بالفعل فلو لم تكن القوة موجودة لما كان هاهنا فاعل اصلا ولو لم يكن الفاعل موجودا لما كان هاهنا شئ هو بالفعل اصلا ولذلك قيل ان جميع النسب والصور هى موجودة بالقوة فى المادة الاولى وهى بالفعل فى المحرك الاول بنحو من الانحاء شبيه بوجود المصنوع بالفعل فى نفس الصانع فلنرجع الى ما كنا فيه من الشرح
[19] Textus/Commentum
مخ ۱۵۰۵