شرح جمل الزجاجي
شرح جمل الزجاجي
وذلك أنك لو ألغيتها عن المفعولين مع إعمالك لها في المصدر لكنت معملا لها ملغيا لها في حين واحد. وأيضا فإنك من حيث تلغي لم تبن الكلام عليها ولا كان معتمد الكلام على الإتيان بها، بل تقدر أنه عرض لك ذكرها بعد بناء الكلام على أن لا تكون فيه، ومن حيث تؤكد بالمصدر تكون قد جعلتها معتمدا عليها في الكلام، إذ لا يؤكد من الكلام إلا موضع الاعتماد والفائدة.
فإن أكدت بضمير المصدر أو بالإشارة إلى المصدر فالإعمال ولا يجوز الإلغاء إلا قليلا جدا، إلا مع التوسط والتأخر. والإلغاء مع الإشارة إلى المصدر أقوى من الإلغاء مع ضمير المصدر، وذلك نحو قولك: زيدا ظننته قائما، أو زيدا ظننت ذاك قائما، فالضمير عائد على المصدر الدال عليه ظننت، وكذلك ذاك إشارة إلى المصدر المفهوم من الفعل ويشير إليه.
فمثال إعادة الضمير عليه قوله تعالى: {اعدلوا هو أقرب للتقوى} (المائدة: 8). أي العدل أقرب للتقوى.
ومثال الإشارة إليه قوله تعالى: {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الامور } (الشورى: 43). أي إن صبره.
فإن قال قائل: فلأي شيء جاز الإلغاء معهما ولا يجوز مع المصدر؟ فالجواب: إنهما لما كانا مبنيين لم يظهر للعامل فيهما عمل جاز لك إلغاؤها، إذ لا تكون كأنك معمل ملغ في حال واحد بل تكون هذه الأفعال ملغاة بالنظر إلى المفعولين وكالملغاة بالنظر إلى الضمير واسم الإشارة من حيث لم يظهر لها عمل فيهما. فإن قال قائل: فلأي شيء كان الإلغاء مع الضمير أقبح منه مع اسم الإشارة؟ فالجواب: إن الضمير وإن كان مبنيا فهو أقرب إلى المصدر المعرب من حيث كانت صيغة الضمير تنبىء عن النصب فصارت الصيغة بمنزلة الإعراب في المصدر، ألا ترى أن كل واحد من الإعراب والصيغة ينبئان عن النصب. فشابه الضمير المصدر من هذه الجهة.
مخ ۱۷۱