Sharh Hadith Mathal al-Islam

شرح حديث مثل الإسلام

ایډیټر

أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني

خپرندوی

الفاروق الحديثة للطباعة والنشر

شمېره چاپونه

الثانية

د چاپ کال

١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م

•
سلطنتونه او پېرونه
مملوک
ایلخانیان
شرح حديث "مثَل الإسلام"

1 / 189

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ربِّ يسِّر وأعن يا كريم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام عَلَى خير خلقه محمد وآله وصحبه أجمعين. وبعد:
فقد خرَّج الإمام أحمد، والنسائى، والترمذي (١) من حديث النوَّاس بن
سمْعان، عن النبي ﷺ قال: "ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنْبَتَيْ الصِّرَاطِ سُورَانِ فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا وَلًا تَعْوَجُوا، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ جَوْفِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ يَفْتَحُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ قَالَ: وَيْحَكَ لًا تَفْتَحْهُ؛ فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، وَالصِّرَاطُ: الْإِسْلَامُ، وَالسُّورَانِ: حُدُودُ اللَّهِ، وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ: مَحَارِمُ اللَّهِ، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ: كِتَابُ اللَّهِ ﷿، وَالدَّاعِي مِنِ فَوْقَ: "وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ" وهذا لفظ الإمام أحمد.
وعند الترمذي زيادة: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢).
وحسَّنه الترمذي (٣)، وخرَّجه الحاكم (٤)، وقال: صحيحٌ عَلَى شرط مسلم، لا أعلم له عِلَّة.
ضرب النبيّ ﷺ في هذا الحديث العظيم الَّذِي حكاه عن ربه ﷿ مثل الإسلام بالصراط المستقيم. وقد سمَّى الله دينه الَّذِي هو دين الإسلام

(١) أخرجه أحمد (٤/ ١٨٢، ١٨٣)، والنسائي في "الكبرى" (١١٢٣٣)، والترمذي (٢٨٥٩).
(٢) يونس: ٢٥.
(٣) كما في "التحفة" (٩/ ٦١) أما المطبوع ففيه: حديث غريب. وذكر المنذري في "الترغيب" (٣/ ١٧١) قول الترمذي: حديث حسن غريب.
(٤) في "المستدرك" (١/ ٧٣).

1 / 191

صراطًا مستقيمًا في مواضع كثيرة من كتابه، كقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (١).
ولد فُسِّر الصراط هنا بكتاب الله. وكتاب الله فيه شرح دين الإسلام، وبيانه وتفضيله والدعوةُ إِلَيْهِ.
وعن جابر قال: "الصراط المستقيم هو الإسلام، وهو أوسع مما بين السماء والأرض".
وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٣).
وخرَّج الإمام أحمد والنسائي في "تفسيره" والحاكم (٤)، من حديث ابن
مسعود قال: "خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا بِيَدِهِ، ثَمَّ قَالَ: "هَذَا سَبِيلُ اللهِ مُسْتَقِيمًا". وَخَطَّ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: "هَذِهِ السُّبُلُ لَيْسَ مِنْهَا سَبِيلٌ إِلَّا عَلَيْهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ". ثُمَّ قَرَأَ: " ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ " (٣).
وخرَّج الإمام أحمد، وابن ماجه (٥)، من حديث مجاهد، عن الشّعبي، عن جابر، قال: "كُنَّا جُلوسًا عند النبي ﷺ فَخَطَّ خَطًّا هَكذَا أَمَامَهُمْ، قال: "هَذَا سَبِيلُ اللهِ". وَخَطَّينِ عَنْ يَمِينِهِ وَخَطَّينِ عَنْ شِمَالهِ، وقال: "هَذَا سَبِيلُ الشَّيْطَانِ". ثُمَّ

(١) الفاتحة: ٦ - ٧.
(٢) المائدة: ١٥ - ١٦.
(٣) الأنعام: ١٥٣.
(٤) أخرجه أحمد: (١/ ٤٣٥، ٤٦٥)، والنسائي في "الكبرى" (١١١٧٤/ ١، ١١١٧٥/ ٢)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٣١٨).
(٥) أخرجه أحمد (٣/ ٣٩٧)، وابن ماجه (١١).

1 / 192

وَضَعَ يَدَهُ فِي الخَطِّ الأَوْسَطِ، ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلًا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ الآية".
وقد رُوي عن ابن مسعود "أنَّه سُئل عن الصراط المُستقيم فَقَالَ: تركنا محمدٌ ﷺ في أدناه وطرفُه في الجنة، وعن يمينه جوادٌ [وعن شماله جواد] (١) وثُمَّ رجالٌ يدعون من مرَّ بهم، فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إِلَى النار، ومن أخذ عَلَى الصراط انتهى به إِلَى الجنة. ثم قرأ ابنُ مسعود: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ خرَّجه ابنُ جرير (٢) وغيرُه.
وإنَّما سُمّي الصراطُ صراطًا؛ لأنًه طريقٌ واسع سهل، يُوصل إِلَى المقصود، وهذا مثل دين الإسلام فى سائر الأديان؛ فإنَّه يُوصل إِلَى الله وإلى داره وجِواره، مع سهولته وسعته.
وبقيةُ الطرق -وإن كانت كثيرة- فإنَّها كلِّها مع ضيقها وعُسرها لا تُوصل إِلَى الله؛ بل تقطع عنه وتُوصل إِلَى دار سخطه وغضبه ومجاورة أعدائه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٤).
والإسلامُ العام هو دين الله الَّذِي كان عليه جميع الرسل؛ كما قال نوح ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ

(١) ليست بالأصل، والمثبت من "تفسير الطبري" (٨/ ٦٥).
(٢) في "تفسيره" (٨/ ٦٥).
(٣) آل عمران: ٨٥.
(٤) آل عمران: ١٩.
(٥) يونس: ٧٢.
(٦) الحج: ٧٨.

1 / 193

يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلًا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١) وقال عن يوسف أنَّه قال: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (٢) وقال تعالى عن ملكة سبأ: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣) وقال عن الحواريين أنهم قالوا: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٤).
وقد وصف الله في سُورة الفاتحة الصراط بأنَّه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (٥).
ثم سمَّى الله الذين أنعم عليهم في سُورة النساء، وجعلهم أربعة أصناف: النبيين، والصِّديقين، والشهداء، والصالحين، فدلَّ عَلَى أنَّ هؤلاء كلَّهم عَلَى هذا الصراط المستقيم، فلا يخرج عنهم إلاَّ إمَّا مغضوبٌ عليه، وهو من عَرف الصراط وسلك غيره عمدًا كاليهود والمشركين، وإمّا ضالٌّ جاهل يسلك غير الصراط جهلًا، ويظن أنَّه الصراط.
وحقيقةُ الإسلام. الاستسلام لله تعالى والانقياد لطاعته، وأمَّا الإسلام الخاص، فهو دين محمد ﷺ.
ومُنذ بعث الله مُحَمَّدًا ﷺ لم يقبل من أحد دينا غير دينه، وهو الإسلام الخاص [و] (٦) بقية الأديان كفرًا؛ لما تضمَّن اتباعها من الكفر بدين محمد والمعصية لله في الأمر باتباعه؛ فإنه ليس هناك إلاَّ أحد أمرين:
إمَّا الاستسلام لله والانقياد لطاعته وأوامره، وهو دين الإسلام الَّذِي أمر الله تعالى به.

(١) البقرة: ١٣٢.
(٢) يوسف: ١٠١.
(٣) النمل: ٤٤.
(٤) المائدة: ١١١.
(٥) الفاتحة: ٧.
(٦) زيادة يقتضيها السياق.

1 / 194

وإمَّا المعصية للَّه والمخالفة لأوامره، وذلك يستلزم طاعة الشيطان؛ لأنّ الشيطان يأمر بسلوك الطرق التي عن يمين الصراط وشماله، ويصد عن سلوك الصراط المستقيم؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (١) وقال تعالى حاكيًا عن الشيطان: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (٣).
وصح عن ابن مسعود (٤) أنه قال: إنَّ هذا الصراط مُحتضر، تحضره الشياطين [ينادون] (٥): يا عبد اللَّه، هذا الطريق، هلمَّ إِلَى الطريق، فاعتصموا بحبل اللَّه؛ فإنَّ حبل اللَّه هو القرآن.
وهذا كما أنَّ الكتب المنزَّلة والرسل المُرسلة وأتباعهم يدعون إِلَى اتباع الصراط المستقيم، فالشيطانُ وأعوانه وأتباعه من الجن والإنس يدعون إِلَى بقية الطرق الخارجة عن الصراط المُستقيم؛ كما قال تعالى: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٦). والإسلامُ له هو الاستسلام والإذعان والانقياد والطاعة.

(١) يس: ٦٠ - ٦١.
(٢) الأعراف: ١٦ - ١٨.
(٣) الحجر: ٣٩ - ٤٢.
(٤) أخرجه الدارمي في "السنن" (٢/ ٥٢٤)، والبيهقي في "الشعب" (٢/ ٣٥٥).
(٥) زيادة ليست في "الأصل" والمثبت من "سنن الدارمي" و"شعب الإيمان".
(٦) الأنعام: ٧١.

1 / 195

والإسلام قد فسَّره النبيّ ﷺ في حديث جبريل (١) بالشهادتين، مع إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج والصيام.
وأخبر ﷺ في حديث آخر (٢) أنَّ الإسلام بُني عَلَى هذه الخمس -يعني: أنَّه أركانُ بنائه التي لا يقوم البناء إلاَّ عليها، وبقيةُ الأعمال داخلة في مسمَّاه أيضًا.
ورُوي من حديث أبي الدرداء مرفوعًا (٣)، ومن حديث حُذيفة مرفوعًا وموقوفًا، وعدَّ مِن سهامه الجهاد (٤).
وأفضل الإسلام أنْ يَسلم المسلمون من لسانه ويده (٥)، ومن حُسن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه (٦) و[في] (٧) "صحيح مسلم" (٨) عن عبد الله بن سلاَّم، قال: "يينما أنا نائم إذ أتاني رجلٌ فَقَالَ لي: قُم، فأخذ بيدي فانطقتُ معه فَإِذَا أنا بجواد من شمالي. قال: فأخذت لآخذ فيها، فَقَالَ: لا تأخذ فيها فإنَّها طُرق أصحاب الشمال، فَإِذَا جواد منهجٌ عن يميني، فَقَالَ لي: خذ هاهنا، قال: فأتى لي جبلًا، فَقَالَ لي: اصعد. قال: فجعلتُ إذا أردت أنْ أصعد خررتُ عَلَى استي. قال: حتى فعلتُ ذلك مرارًا. قال: ثم انطلق حتى أتى عمودًا رأسمه فى السماء وأسفله في الأرض في أعلاه حلْقة. قال لي: اصعد

(١) أخرجه أحمد (١/ ٢٨، ٥١، ٥٢)، ومسلم (٨).
(٢) أخرجه البخاري (٨)، ومسلم (١٦).
(٣) أخرجه الطبراني في "الكبير" كما في "مجمع الزوائد" (١/ ٤٣).
(٤) أخرجه البزار كما في "كشف الأستار" (٣٣٦، ٣٣٧).
(٥) أخرجه البخاري (١٠، ٦٤٨٤)، ومسلم (٤٠).
(٦) أخرجه الترمذي (٢٣١٧)، وابن ماجه (٣٩٧٦) من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة.
قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه.
وأخرجه الترمذي (٢٣١٨) من حديث مالك عن الزهري عن علي بن حسين مرسلًا. وقال الترمذي: وهكذا روى غير واحد من أصحاب الزهري عن الزهري عن علي بن حسين عن النبي ﷺ نحو حديث مالك مرسلًا، وهذا عندنا أصح من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة.
(٧) في "الأصل": "ومن" والمثبت أنسب للسياق.
(٨) برقم (٢٤٨٤/ ١٥٠)، وفيه قصة.

1 / 196

فوق هذا. قلتُ: كيف أصعد هذا ورأسُه في السماء. قال: فأخذ بيدي فدخلَ بي، فَإِذَا أنا متعلِّق بالحلْقة، ثم ضرب العمود فخرَّ وبقيتُ متعلقًا بالحلْقة حتى أصبحت. قال: فَأتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ قَالَ: «أَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِكَ فَهِيَ طَرِيقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، وَأَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَمِينِكَ فَهِيَ طَرِيقُ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَأَمَّا الْجَبَلُ فَهُوَ مَنْزِلُ الشُّهَدَاءِ وَلَنْ تَنَالَهُ، وَأَمَّا الْعَمُودُ فَهُوَ عَمُودُ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا الْعُرْوَةُ فَهِيَ عُرْوَةُ الْإِسْلَامِ، وَلَنْ تَزَالَ مُتَمَسِّكًا بِهَا حَتَّى تَمُوتَ».
وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١).
فأخبر ﷺ-وهو الطريق القاصد- عليه، يعني: أنه يُوصل إِلَيْهِ، وأنَّ من السبيل ما هو جائر عن القصد غير مُوصل.
فالسبيل القاصد هو الصراط المستقيم، والسبيل الجائر هو سبيلُ الشيطان الرجيم، وقد وحَّد طريقه في أكثر المواضع، وجَمع طُرق الضلال؛ لأنّ طريق الحق أصلُه شيء واحد، ودين الإسلام العام كما سبق، وهو توحيدُ الله وطاعته، وطُرق الضلالة كثيرة متبوعة، وإنْ جمعها الشرك والمعصية.
قوله: "وعلى جنبتي الصراط سُوران" ثم فسّرهما بحدود اللَّه.
والمرَاد أنَّ الله تعالى حد حدودًا ونهى عن تعديها؛ فمن تعدَّاها فقد ظلم نفسه وخرج عن الصراط المستقيم الَّذِي أمر بالثبوت عليه.
ولما كان السور يمنع مَن وراءه مِن تعديه ومجاوزته سمَّى حدود اللَّه سورًا؛ لأنّه يمنع من دخله مِن مجارزته وتعدي حدوده.
قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ (٢) وقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ إِلَى قوله:

(١) النحل: ٩.
(٢) البقرة: ٢٢٩.

1 / 197

﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (١) وقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلًا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢) وقال: ﴿نَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لًا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلًا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (٣).
وفي حديث أبي ثعلبة الخُشني، عن النبي ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلًا تُضَيِّعُوها، وَحَرَّمَ أَشْيَاءً فَلاَ تَنتَهِكُوهَا، وَحَّدَّ حُدُودًا فَلًا تَعْتَدُوهَا" (٤).
فحدودُ اللَّه تُطلق ويُراد بها غالبًا ما أذن فيه وأباح؛ فمن تعدَّى هذه الحُدود فقد خرج مما أحلَّه اللَّه إِلَى ما حرَّمه، فلهذا نُهِيَ عن تعدي حُدود الله؛ لأنّ تعديها بهذا المعنى محرَّم.
ويُراد بها تارة ما حرَّمه الله ونهى عنه.
وبهذا المعنى يُقال: لا تقربوا حدود اللَّه؛ كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلًا تَقْرَبُوهَا﴾ (٥) بعد أنْ نهى عن ارتكاب المفطرات في نهار الصيام، وعن مباشرة النساء في الاعتكاف في المساجد.
فأراد بحدوده هاهنا ما نهى عنه؛ فلذلك نهى عن قُربانه.

(١) النساء: ١٣ - ١٤.
(٢) البقرة: ٢٢٩.
(٣) الطلاق: ١.
(٤) أخرجه الطبراني فى "الكبير" (٢٢/ ٥٨٩)، الدارقطني في "السنن" (٤/ ١٨٣١ - ١٨٤)، وأبو نعيم في "الحلية" (٩/ ١٧).
وأخرجه البيهقي في "السنن" (١٠/ ١٢) موقوفًا عَلَى أبي ثعلبة.
قال ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" في شرح الحديث الثلاثين (٢/ ١٥٠ - الرسالة): هذا الحديث من رواية مكحول عن أبي ثعلبة الخشني، وله علتان:
إحدهما: أن مكحولًا لم يصح له السماع من أبي ثعلبة، كذلك قال أبو مسهر الدمشقي وأبو نعيم الحافظ وغيرهما.
الثانية: أنه اختلف في رفعه ووقفه عَلَى أبي ثعلبة، ورواه بعضهم عن مكحول من قوله، لكن قال الدارقطني: الأشبه بالصواب المرفوع، قال: وهو أشهر. وانظر "علل الدارقطني" (٦/ ٣٢٤ برقم (١١٧٠). وانظر "غاية المرام" للألباني (ص ١٧ - ١٩)،
(٥) البقرة: ١٨٧.

1 / 198

فإنَّه تعالى جعل لكل شيء حدًّا، فجعل للمباح حدًّا وللحرام حدًّا، وأمر بالاقتصاد عَلَى حد المباح وأنْ لا يتعدى، ونهى عن قربان حد الحرام.
ومما سمِّي فيه المحرمات حدودًا، قول النبي: "مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالمُدَاهِنِ (١) فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اقْتَسَمُوا سَفِينَةٍ ... " (٢) الحديث المعروف. والمراد بالقائم عَلَى حدود الله: المنكر للمحرمات والناهي عنها.
وفي حديث ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ (٣) اتَّقُوا النَّارِ، اتَّقُوا الحُدُودَ -قالها ثلاثا". خرَّجه الطبراني والبزار (٤). ومُراده بالحدود: محارم الله ومعاصيه -وقد تطلق الحدود باعتبار العقوبات المقدَّرة الرادعة عن الجرائم المغلَّظة. فيقال: حد الزنا، حد السرقة، حد شرب الخمر.
وهو هذا المعروف من اسم الحدود في اصطلاح الفقهاء؛ ومنه قول النبي ﷺ لأسامة: "أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ" (٥) لما شفع في المرأة التي سرقت.
وفي حديث: «أَقِيمُوا الْحُدُودَ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ» (٦).
وقال علي: أقيموا الحدود عَلَى ما ملكت أيمانكم (٧).
وأمّا قوله ﷺ في حديث أبي بردة: «لاَ تَجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ﷿» (٨) فقد اختلفوا في المراد بالحد هنا: هل هو الحدود المقدَّرة شرعًا، أم المُراد بالحد ما حدّه الله ونهى عن قربانه؛ فيدخل فيه سائر

(١) المداهنة والإدهان كالمصانعة، وداهن: أظهر خلاف ما أضمر. "اللسان" مادة: (دهن).
(٢) أخرجه البخاري (٢٤٩٣، ٢٦٨٦) من حديث النعمان بن بشير.
(٣) أصل الحجزة موضع ضد الإزار، ثم قيل للإزار: حجزة للمجاورة. "اللسان" مادة: (حجز).
(٤) أخرجه الطبراني في "الكبير" (١١/ ١٠٩٥٣)، و"الأوسط" (٢٨٧٤)، والبزار كما في "كشف
الأستار" (٣٤٨٠).
(٥) أخرجه البخاري (٢٣٧٥، ٣٧٣٢، ٣٧٣٣، ٦٨٨٧، ٦٧٨٨، ٦٨٠٠)، ومسلم (١٦٨٨).
(٦) أخرجه أحمد (٥، ٣١٤، ٣١٦، ٣٢٦).
(٧) أخرجه أبو داود (٤٤٧٣)، والنسائي في "الكبرى" (٤/ ٣٠٤)، أحمد (١/ ٨٩، ٩٥، ١٤٥) عن
علي مرفوعًا.
(٨) أخرجه البخاري (٦٨٤٨، ٨٦٤، ٦٨٥٠)، ومسلم (١٧٠٨).

1 / 199