Sharh al-Jami' al-Sahih
شرح الجامع الصحيح
( قوله في القدر) سميت بذلك لعظم قدرها أي ذات القدر العظيم لنزول القرآن فيها ولوصفها بأنها خير من ألف شهر ولتنزل الملائكة فيها أو لنزول البركة والمغفرة والرحمة فيها أو لما يحصل لمن أحياها بالعبادة من القدر الجسيم (وقيل) القدر هنا التضييق كقوله تعالى ومن قدر عليه رزقه ومعنى التضييق إخفاؤها عن العمل بتعيينها أو لضيق الأرض فيها عن الملائكة(وقيل) القدر هنا بمعنى القدر بفتح الدال المؤاخي للقضاء أي يقدر فيها أحكام السنة كقوله تعالى (فيها يفرق كل أمر حكيم) ونسبه النووي للعلماء ورواه عبد الرزاق وغيره عن مجاهد وعركمة وقتادة وغيرهم من المفسرين (قيل) والحكمة في التعبير بالقدر بسكون الدال عن القدر بفتحها ليعلم أنه لم يرد به نفس القضاء وإنما أريد به تفضيل ما جرى به القضاء وإظهاره وتحديده في تلك السنة ليحصل ما يلقى إليهم فيها مقدار بمقدار (وقيل) بسكون الدال ويجوز فتحها مصدر قدر الله الشيء قدرا وقدرا كالنهر والنهر أي كلاهما بمعنى (قوله عن أنس بن مالك)الحديث رواه أيضا مالك في الموطأ عن حميد الطويل عن أنس بن مالك وقال شارحه قال ابن عبد البر هذا الحديث لا خلاف عن مالك في سنده ومتنه وإنما هو لأنس عن عبادة بن الصامت وقال الحافظ خالف ملكا أكثر أصحاب حميد فرووه عنه عن أنس عن عبادة وصوب ابن عبد البر إثبات عبادة وأن الحديث من مسنده فإن صح ذلك فهو مرسل صحابي ورواه أحمد ومسلم عن أبي سعيد في حديث له طويل (قوله أريت) بضم الهمزة بالباء لما لم يسم فاعله ويحتمل أنها من رآى العلمية أو البصرية أي رآى علاماتها الدالة عليها (قوله هذه الليلة) أي ليلة القدر وفي البخاري خرجت لأخبركم بليلة القدر وفي رواية مالك أريت هذه الليلة في رمضان (قوله حتى تلاحا) أي استمر علمها عندي إلى أن تلاحا رجلان فاشتغلت بالصلح بينهما فأنسيتها (ومعنى) تلاحا أي تماريا كما قال المصنف رحمة الله عليه ومعنى تماريا تنازعا وتخاصما وتشاتما ( قوله رجلان منكم) وفي البخاري رجلان من المسلمين وليس شيء منها في رواية مالك قيل وكان الرجلان من الأنصار وزعم ابن دحية أنهما عبد الله بن أبي حدرد وكعب بن مالك (قوله فرفعت) أي رفع بيانها أو علم تعبينها من قلبي فنسيته للاشتغال بالمتخاصمين (وقيل) رفعت بركتها تلك السنة (وقيل) التاء في رفعت الملائكة لا لليلة والأول أظهر (وفي الحديث) أنه قد يذنب البعض فتتعدى عقوبته إلى غيره فيجزي به من لا سبب له في الدنيا أما الآخرة فلا تزر وازرة وزر أخرى ومصداقه في قوله تعالى(واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) وقد قيل المراء والملاحاة شؤم ومن شؤمها حرموا ليلة القدر تلك الليلة ولم يحرموها بقية الشهر كما يدل عليه آخر الحديث (فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة) أي فاطلبوها من واحدة من هذه الثلاث ثم اختلفوا في وجه العدد فقيل المراد بالتاسعة تاسعة تبقى فتكون ليلة إحدى وعشرون والسابعة سابعة تبقى فتكون ليلة ثلاث وعشرون والخامسة خامسة تبقى فتكون ليلة خمس وعشرين على الأغلب لأن الشهر ثلاثون (وقيل) المراد بتاسعة تمضي فتكون ليلة تسع وعشرون وسبع وعشرين وخمس وعشرين ورجح الأول لما في أبي داود من حديث عبادة تاسعة تبقى سابعة تبقى خامسة تبقى (وعند) أحمد ومسلم عن أبي نضيرة عن أبي سعيد في حديث له قال قلت يا أبا سعيد إنكم أعلم بالعدد منا فقال أجل نحن أحق بذلك منكم قال قلت ما التاسعة والخامسة والسابعة قال إذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها اثنان عشرون فهي التاسعة فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها سابعة فإذا مضت خمس وعشرون فالتي تليها خامسة(والحكمة) في إخفاءها الحث على قيام الشهر كله لأن إخفاءها يستدعي ذلك بخلاف ما لو بقيت معرفتها بعينها وللبخاري فرفعت وعسى أن يكون خيرا لكم وأخذ بعض قومنا من الحديث استحباب كتمها لمن رآها لأن الله تعالى قدر لنبيئه أنه لم يخبر بها والخير كله فيما قدره له ويستحب اتباعه في ذلك (قال) والحكمة فيه إنها كرامة والكرامة ينبغي كتمها ويستأنس له بقول يعقوب (يابني لا تقصص رؤياك على اخوتك) الآية والله أعلم (قوله عن أبي سعيد الخدري) رواه أيضا مالك في الموطأ بنحور رواية المصنف ورواه البخاري ومسلم وأحمد بأبسط منها (قوله العشر الأوسط) هكذا في أكثر النسخ وأكثر الروايات عند قومنا والمراد به العشر الليالي وكان القياس أن يوصف بلفظ التأنيث لأن مرجعها مؤنث لكن وصف بالمذكر على إرادة الوقت والتقدير الثلث كأنه قال الليالي العشر التي هي الثلث الأوسط من الشهر ووقع في بعض النسخ وفي الرواية الموطأ العشر الوسط بضم الواو والسين جمع وسطى ويروى بفتح السين مثل كبري وكبر ويروى بإسكانها جمع واسط كبازل بزل (قوله فاعتكف عاما) أي سنة من السنين يعني أنه اعتكف العشر الأوسط كعادته فكان من أمره ما ذكر في الحديث (قوله حتى إذا كان) حتى هذه ابتدائية دخلت على الجملة الشرطية وهي حرف لا يعمل شيئا إلا أنه وضع دلالة على ابتداء الكلام واستئنافه (قوله إحدى وعشرون) وفي رواية الموطأ ليلة إحدى وعشرين (قوله يخرج فيها من اعتكافه غدوتها) وفي رواية الموطأ يخرج فيها من صبحها من اعتكافه كذا في رواية يحي وابن بكير والشافعي ورواه جماعة يخرج فيها من اعتكافه لم يقولوا من صبحها والأولى موافقة في المعنى لرواية المصنف وقوله فيها أي بعدها وغدوتها بمعنى صبحها بدل بعض من كل ويصح أن تجعل للظرفية الأصلية فيكون المراد بإحدى وعشرين ما يشمل الليلة مع يومها وهذا ظاهر في رواية المصنف والأول أظهر في رواية مالك والحديث يدل أنه ( - صلى الله عليه وسلم - ) كان يخرج من اعتكافه صبحا فهو يبيت في معتكفة وقد روى ابن وهب وابن عبد الحكم عن مالك من اعتكف أول الشهر أو وسطه خرج إذا غابت الشمس آخر يوم من اعتكافه ومن اعتكف من آخر الشهر فلا ينصرف إلى بيته حتى يشهد العيد وهو مخالف لظاهر الحديث فإنه وارد في اعتكاف العشر الأوسط ثم أن المطلوب الأعظم من الاعتكاف في رمضان موافقة ليلة القدر فالمناسب المبية في المعتكف مادام في الشهر وليلة الفطر ليست من رمضان (واستشكل) بأن ظاهر هذه الرواية أنه خطب أول اليوم الحادي والعشرون فأولى ليالي اعتكافه الأخيرة ليلة اثنين وعشرون فيخالف قوله في رواية مالك فأبصرت عيناي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبح ليلة إحدى وعشرون فإنه ظاهر أن الخطبة كانت في صبح اليوم العشرين ووقوع المطر ليلة إحدى وعشرون وهو الموافق لبقية الطرق (وأجيب) بأن في هذه الرواية تجوز أي من الصبح الذي قبلها ونسبه الصبح إليها مجاز والعرب تجعل ليلة اليوم الآتية بعده ومنه عشية أو ضحاها فأضافه إلى العشي وهو قبلها ويؤيده أن في رواية للشيخين فإذا كان حين يمشي من عشرين ليلة تمضي ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه وهذا في غاية الإيضاح (وقيل) المعنى حتى إذا كان المستقبل من الليالي ليلة إحدى وعشرين (قوله:من اعتكف معي) أي في العشر الأوسط وقوله فليعتكف في العشر الأواخر أي فليلازم الاعتكاف في العشر الأواخر وفي رواية الشيخاين فخطبنا صبحة عشرين وفي أخرى لهما فخطب الناس فأمرهم ما شاء الله ثم قال كنت أجاور هذا العشر ثم بدالي أن أجاور هذا العشر الأواخر فمن كان اعتكف معي فليثبت في معتكفه وفي مسلم من وجه آخر عن أبي سعيد أنه ( - صلى الله عليه وسلم - ) اعتكف العشر الأول من رمضان ثم اعتكف العشر الأوسط في قبة تركية على سدتها حصير فأخذه فنحاه في ناحية القبة ثم كلم الناس فقال إني اعتكفت العشر الأول التعس هذه الليلة ثم اعتكف العشر الأوسط ثم أتيت فقيل لي إنها في العشر الأواخر فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف فاعتكف الناس معه وعند البخاري أن جبريل أتاه في المرتين فقال له إن الذي تطلب أمامك أي قدامك (قوله: وقد رأيت هذه الليلة) أي أبصرت علاماتها أو رأيتها في منامي ورؤيا الأنبياء حق وفي رواية في الموطأ أريت بهمزة مضمومة في أوله مبنيا للمفعول أي أعلمت هذه الليلة أي أخبرت أنها ليلة كذا (قوله: ثم أنسيتها) بهمزة مضمومة مبينا للمجهول والمعنى ذهب عني علمها وبقي عندي علامة واحدة وهي أني رأيت أني أسجد في غدوتها في ماء وطين (قوله وقد رأيت أني) في رواية مالك رأيتني بلا ألف قبل النون وهو بضم التاء وفيه عمل الفعل في ضمير الفاعل والمفعول وهو المتكلم وذلك من خصائص أفعال القلوب أي رأيت نفسي أسجد الخ (قوله في غدوتها) في رواية مالك من صبحتها والمعنى واحد ومن في رواية مالك بمعنى في (قوله في ماء وطين وذلك علامة جعلت له وفي رواية عند البخاري أن أبا سعيد قال فرجعنا وما نرى في السماء قزعة أي قطعة من السحاب رقيقة فجاءت سحابة فمطرت حتى سال سقف المسجد وهو من جريد النخل وأقيمت الصلاة فرأيت (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) يسجد في الماء والطين حتى رأيت أثر الطين في جبينه (قوله :فالتمسوها) أي فاطلبوها (وقوله في العشر الأواخر) أي من رمضان فإنها مظنة وجودها (وقوله في كل وتر) يعني من أوتار العشر الأواخر فهو تخصيص بعد تخصيص وأول أوتار ليلة إحدى وعشرين وآخرها ليلة تسع وعشرين وهذا الالتماس يحتمل في ذلك العام خاصة ويحتمل أنه الأغلب من وجودها في كل عام زاد مالك قال أبو سعيد فأمطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف المسجد قال أبو سعيد فأبصرت عيناي (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبح ليلة إحدى وعشرين (وفي أحاديث) الباب دليل عي مشروعيته الاعتكاف وهو متفق عليه قال مالك فكرت في الاعتكاف وترك الصحابة له مع شدة اتباعهم للأثر فوقع في نفسي أنه كالواصل وأراهم تركوه ولم يبلغني عن أحد من السلف أنه اعتكف إلا عن أبي بكر بن عبد الرحمان (ورد) بأنه حكي عن غير واحد من الصحابة أنه اعتكف وليس الاعتكاف كالواصل بل هذه السنة مؤكدة وعبادة مرغب فيها والوصال أمر منهي عنه وناهيك أنه ( - صلى الله عليه وسلم - ) قال من اعتكف معي فليعتكف في العشر الأواخر والله أعلم.
الباب الثالث والخمسون النهي عن صيام العيدين ويوم الشك
قوله: «النهي عن صيام العيدين ويوم الشك»؛ وعن الوصال وقتل الضفدع والصفرد والصرد. والمراد بالعيدين عيد الفطر وعيد النحر، والمراد بيوم الشك اليوم الذي <2/35> يشك فيه هل هو شعبان أم رمضان، أما النهي عن صوم العيدين فالتحريم إجماعا، وأما صوم يوم الشك ففيه خلاف يأتي. واستظهر المحشي حمله على التحريم قال: ولم يتعرض للنهي عن صيام أيام التشريق فإنه لم يبلغ درجة النهي عن صيام هذه الثلاثة، قلت: لا، ولكنه لم يثبت عند المصنف رضي الله عنه في ذلك شيء. وقد روى أحمد ومسلم عن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وأوس بن الحدثان أيام التشريق فناديا أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأيام منى أيام أكل وشرب. وروى أحمد والبزار عن سعد بن أبي وقاص قال: أمرني النبيء صلى الله عليه وسلم أن أنادي أيام منى إنها أيام أكل وشراب ولا صوم فيها، يعني أيام التشريق. وفي الباب عن أنس عند الدارقطي وعن عائشة عند البخاري وقد استدل بهذه الأحاديث على تحريم صوم أيام التشريق، وفي ذلك خلاف بين الصحابة فمن بعدهم. وقد روى ابن المنذر وغيره عن الزبير بن العوام وأبي طلحة من الصحابة الجواز مطلقا، وعن علي وعبد الله بن عمرو بن العاص المنع مطلقا، وهو المذهب، وبه قال الشافعي. وعن ابن عمر وعائشة وعبيدة بن عمير في آخرين منعه إلا للمتمتع الذي لا يجد الهدي، وهو قول مالك والشافعي في القديم، وقال الأوزاعي وغيره بصومها القارن، ولكل تمسك لا نطيل بذكره وأحاديث الباب دالة على المنع، والله أعلم.
مخ ۳۹