517
ذكر النبوة والرسالة في سورة الحجرات
في أول سورة الحجرات نجد قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات:١]، وفي الآية التي بعدها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ﴾ [الحجرات:٢]، (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)، (لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ)؛ فالسورة جمعت بين الوصفين، وقدمت وصف الرسالة وجاءت بوصف النبوة، ولكن مع الرسالة: (لا تقدموا)، أي: لا تتقدموا بالتشريع والابتداع والاختراع، ولكن كونوا وراء رسول الله، إذًا: هو رسول في التشريع وفيما جاء به عن الله؛ فلا تتقدموا عليه في رسالته.
إذًا: الرسول جاء برسالة وكونوا تبعًا له، ولا تتقدموا عليه واتقوا الله، وجعلها مع حق الله: (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)؛ لأن الرسول مبلغ عن الله، والمتقدم على السنة متقدم على الله، كأنه ابتدع من نفسه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] .
ثم جاء في شخصية محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه في تكريمه في ذاته فقال: (لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ)، وهنا أدب شخصي وتكريم ذاتي، أما هناك فكان احترام رسالة وتبليغ عن الله، إذًا: الرسالة عن الله، والنبوة في ذاته، فقال: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢] .
ثم رجع مرة أخرى فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الحجرات:٣]، فيبين أن التكريم والأدب لأي شيء؟ لأن هذا النبي هو رسول الله إليهم.
وأحسن ما قيل في ذلك: إن النبي من جاء على سَنَن نبي قبله، والرسول من جاء برسالة جديدة لقوم جدد.
ونجد علماء التفسير يقولون: إن الرسول ﷺ نبئ بسورة اقرأ، وأرسل بسورة المدثر: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١-٥]، فقالوا: هذه ليس فيها تبليغ لغيره، ولكن يبدو -والله تعالى أعلم- أنه أرسل من أول وهلة بسورة اقرأ، لماذا؟ لأنه قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، فهو سيقرأ قرآنًا، لكن لمن؟! ولذا جاء بعده مباشرة في ترتيب المصحف بعد سورة اقرأ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١]، أنزلنا ماذا؟ ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان:١]، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] (أنزلناه) يعني: أنزلنا القرآن، (اقرأ) يعني: اقرأ القرآن، والقرآن إنما هو للناس كافة.
إذًا: فقد نبىء وأرسل بأول الوحي.
والذي يهمنا في هذا الحديث تلك المغايرة في الألفاظ، وإن كان من كلام الراوي وليس من كلام رسول الله ﷺ، فقال: (جاء رجال إلى النبي فقالوا: يا رسول الله) .

56 / 6