485
موقف الرسول ﷺ من الظلم
وجاء الإسلام وبيّن لنا ﷺ، وبيّن لنا القرآن أن: (الظلم ظلمات يوم القيامة)؛ فإذا كان الأمر كذلك فإن أولى من يراعي قضية الظلم والعدالة: المسلم؛ لأن الله سبحانه يخبره بأنه تكرم وحرم الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرمًا ونهاهم أن يرتكبوا ذلك: (فلا تظالموا) .
ونحن نعلم ما جاء في التاريخ الإسلامي من العدالة، وأول تمثيل للعدالة كان في عهد سيد الخلق ﷺ، وذلك حينما يستيعذ بالله من أن يظلم أو يُظلم أو يبغي أو يبغى عليه.
وفي موقف من أحرج مواقف الإسلام في أرض المعركة في بدر وقوة العدو ضعف قوة المسلمين، والمسلمون إنما خرجوا لأخذ عير لا شوكة لهم، ويصف النبي ﷺ المسلمين لتتقابل قوة الحق مع قوة الباطل قوة الإسلام بنوره وقوة الكفر والشرك بظلامه وضلاله، ويسوي النبي ﷺ المسلمين كما يسوون صفوف الصلاة لتراصهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤]، فجاء في السيرة بأنه عدّل رجلًا بالقضيب في يده هكذا على بطنه، فقال: (أوجعتني يا رسول الله! فيكشف ﷺ عن بطنه ويعطيه القضيب، ويقول له: اقتد لنفسك مني) .
وكان من حقه ﷺ أن يعدل الصفوف، ولو كان مكانه أي قائد في معركة كهذه أو أي جندي وقال كلمة مثل هذه ربما صفعه على وجهه، نحن لسنا في وقت المزاح، ولكن الرسول ﷺ وفي هذا الموقف يكشف عن بطنه ويعطيه القضيب، ويقول له: خذ حقك مني، فيهوي على بطنه ﷺ فيقبله، فيقول له: هذا هو حدك! قال: نعم يا رسول الله، قال: هذه حيلة! ما الذي حملك عليها، قال: يا رسول الله! الموقف كما ترى بين الحياة والموت، فأحببت أن يكون آخر عهدي من الدنيا بك يا رسول الله.
الذي يهمنا: أن الرسول ﷺ يقدم نفسه لأحد أصحابه في أحد المواقف، ويقول له: (خذ حقك مني) فهل يبقى هناك مثال للعدالة فوق هذا؟ لا والله! النصوص المتضافرة عنه ﷺ في القضاء والشهادة والتحذير من شهادة الزور إلى غير ذلك كثيرة، ويأتي من بعده الخلفاء الراشدون، ويأتي عمر رضي الله تعالى عنه ويتكلم ويخطب للأمة كلها، ويتولى المظالم بنفسه، إلى حد أن يقول: (لو أن شاة بجذلة كسرت رجلها لكان عمر مسئولًا عنها)، ويتتبع الناس في الليل، ويسمع العجوز تشتكي ويسألها: (ما سيرة عمر فيكم؟ تقول: عمر لا جزاه الله خيرًا، لماذا؟ لأننا جياع وهو غافل عنا! قال: وما يدري عمر عنك، قالت: كيف يكون أميرًا على الناس ولا يدري عن بعض الأفراد؟ وبعد أن يذهب ويأتيها بالمال والطعام يقول: بيعي عليّ مظلمتك عند عمر غدًا، قالت: ولماذا؟ قال: إني مشفق عليه من النار) .

53 / 11