363
التقوى وصية الله للأولين والآخرين
ومن هنا كانت التقوى، وصية الله لجميع الأمم: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] .
لماذا الحث على التقوى؟ والندب على التقوى؟ كل ذلك لمن؟ (لو أن أولكم وآخركم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو أن أولكم وآخركم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا) .
ولذا تجد قبل ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا﴾ [النساء:١٣١] قوله ﷾: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [النساء:١٣١] .
وبعد ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا﴾ ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ [النساء:١٣١] .
كأنه يقول: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [النساء:١٣١] ومع هذا ﴿وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] ثم يبين: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ أي: بعدم التقوى، فاعلموا بأن ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [النساء:١٣١]، ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ بهذه التقوى فإن الله غني حميد، يعني: غني عن تقواكم، فإذا كانت الوصية للأمم قبلنا، ولنا من بعدهم فليس الله بحاجة إلى تقوانا، فهو غني عنا حميد بذاته ﷾.
ومن وصيته سبحانه لمن قبلنا وإيانا نجد ابتداءً من نوح ﵇ في سورة الشعراء.
انظر في كتاب الله، بعد عرض قضية قوم نوح معه يأتي إلى قوله سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٠٦-١١٠]: هذا بيان من الله ﷾ لموقف نوح ﵇ مع قومه، ثم بين موقفهم وما هو المطلوب من تقوى الله فيهم.
أعتقد أن قضية نوح ﵇ مع قومه قضية واحدة وهي الشرك؛ لأن نوحًا ﵇ على ما قص الله سبحانه أنه مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، يدعوهم إلى عبادة الله وحده.
وكما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة:٢١٣] أي: على التوحيد، فوقع الشرك، أي: فجاء نوح ﵇ ونهاهم عن هذا الشرك، وذكر الله ما واجهه به قومه: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًَّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣] .
فنوح ﵇ إنما كان يدعو قومه إلى التوحيد، ولهذا ذكر مع قومه أنهم كذبوه، وهذه جريمة قومه.
يأتي بعد نوح ﵇ هود ﵇ وقومه.
﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٢٣-١٢٤]: ما قاله نوح لقومه قاله هود لقومه.
أيضًا: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٢٥-١٢٦] كما قال نوح ﵇.
﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعراء:١٢٧] كما قال نوح لقومه، ثم بين حياتهم وقوتهم: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء:١٢٨-١٢٩] أي: عدم الإيمان بالبعث.
كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [الشعراء:١٤٩] .
وهذه علامة على القوة، ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء:١٣٠]: عدم الإيمان بالبعث والإفساد والبطش في الأرض، تلك من جرائمهم.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٣١] كما قال نوح أيضًا لقومه.
ثم يذكرهم بنعم الله عليهم: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ [الشعراء:١٣٢]: بماذا؟ ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء:١٣٢] بالذي أنتم تعرفونه، ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء:١٣٢-١٣٥] لماذا؟ لأنكم لم تشكروا نعمة الله التي أمدكم بها، ولأنكم تبطشون في الأرض بطش الجبارين.
ثم ذكر سبحانه رد قومه عليه وعنادهم واستكبارهم فقال تعالى: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ * إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:١٣٦-١٣٩] .
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:١٤٠]، تتكرر هذه الجملة وهذه الآية في نهاية سرد السورة لقصة كل نبي مع قومه، وسيأتي التعليق عليها إن شاء الله.
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٤١] أي: كما كذبت الأمم المتقدمة كذلك ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إذ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٤١-١٤٢] ثم قال كما قال نوح وكما قال هود ﵉.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء:١٤٣] .
وقال أيضًا ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٤٤] نفس الأسلوب والمنهج ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] .
وأيضًا على أي أساس؟ على أساس ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٤٥]، وهذا هو الذي قاله نوح لقومه وقاله هود لقومه أيضًا هنا قاله صالح لثمود.
أتظنون أنكم ماذا؟ متروكون هنا وكفى؟! ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ [الشعراء:١٤٦] .
في هذه النعم ﴿في جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء:١٤٧-١٤٨] في هذه الزروع وهذه الثمار والنخيل إلى غيرها؟! ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء:١٤٩] .
وكذلك تنحتون من الجبال بيوتًا.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٥٠] عودًا على التقوى بعد هذه النعم التي يذكرهم بها.
﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الشعراء:١٥١] أول خطيئة لهم: أنهم يطيعون أمر المسرفين، وفعلًا أطاعوا أمر المسرفين المتجاوزين للحد، فعقروا الناقة، وما كان عقرهم للناقة إلا باتباع أمر المسرفين، ﴿هذه نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف:٧٣]، تقترحون على الله أو على نبي الله صالح بأن يخرج الله لكم من هذا الجبل ناقةً عشراء؟ أي تعنت بعد هذا؟ فالله ﷾ يحذرهم وينذرهم، فقالوا: لابد من هذه الآية، والله تعالى ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، فإذا بالصخرة أو الجبل يهتز ويتمخض كما تتمخض الأنثى، وإذا بالناقة تخرج من بطن الصخرة.
وكانت لهم آية ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء:١٥٥] .
فماذا كان أمرهم مع الناقة؟ ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف:٧٧] سبحان الله! ثم قالوا لنبيهم متحدين ﴿ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٧٧] وإذا جاءكم به ماذا تفعلون؟ هؤلاء ﴿يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء:١٥٢]، إذًا: التقوى من الإفساد في الأرض، والتقوى من بطش الجبارين، والتقوى كذلك من كفران النعم، إلى آخر ذلك، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:١٥٩] .
ثم يأتي ذكر قوم لوط، أيضًا ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٦٠-١٦١] نفس العبارة التي قالها من سبقه من الأنبياء: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٦٢-١٦٣] بطاعة ما جئتكم به، وأطيعوني فيما أرسلت به إليكم.
﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعراء:١٦٤] كل هذه العبارات تتكرر في كل دعوات الرسل.
﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٦٥] .
وهنا يبين فاحشتهم، وماهية خطيئتهم؟ كما قال عن قوم عاد: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء:١٣٠]، وكما قال نبي الله صالح لقومه: ﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء:١٥١-١٥٢] وهنا يبين الله تعالى خطيئة ال

42 / 6