نشوار المحاضرة واخبار المذاكره
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر
ایډیټر
مصطفى حسين عبد الهادي
خپرندوی
دار الكتب العلمية
شمېره چاپونه
الأولى
د چاپ کال
1424هـ-2004م
د خپرونکي ځای
بيروت / لبنان
حدثني أبي ، رضي الله عنه ، بإسناد ذكره : أن رجلا من شيوخ الكتاب يعرف بالهبيري ، لزمته العطلة ، وأضرت به ، فكان يلازم ابن أبي خالد الأحول ، وهو إذ ذاك يدبر أمر الوزارة . فطالت ملازمته داره ، وكان ابن أبي خالد يستثقله ، فحجب عن الدار . فكان يبكر كل يوم فيقف على دابته بالباب ، حتى يخرج الوزير ، ثم ينتظر إلى أن يعود ، ويدخل الوزير ، وينصرف هو . فطال ذلك على الوزير ، حتى برم به ، فقال لكاتب له : إلق هذا الرجل ، وقل له : إنه لا تصرف لك عندي ، ولست أحب أن أراك في كل وقت ، فانصرف عني ، ولا تقرب بابي . قال الكاتب : فاستحييت أن أؤدي عن صاحبي مثل هذه الرسالة إلى شيخ من جلة الكتاب ، وإن كان الزمان قد حطه ، وعلت أن ذلك قد صدر عن الوزير ، لسوء رأيه فيه ، ومقته له ، واستثقاله إياه . فصرت إلى منزلي ، وأخذت معي خمسمائة درهم ، و ؟ صرت إلى الهبيري ، فقلت : الوزير أعزه الله ، يقرأ السلام عليك ، ويقول لك : هوذا تشق علي ؟ ؟ رؤيتك بالباب . والأشغال تقطعني عنك ، ولا تصرف عندي أرتضيه لك في هذا الوقت ، وقد حملت إليك خمسة آلاف درهم ، فاستعن بها في نفقتك ، والزم دارك ، واربح العناء ، فإذا سنح عندي شغل يصلح لك ، استدعيتك . قال : فاستشاط الشيخ ، وقال : جعلني من الشحاذين والمستميحين ، ينفذ إلي برفد ، والله لا قبلته . قال : فاستجهلته ، وداخلني غيظ من فعله ، فقلت : يا هذا ، واله ، ما هذه الدراهم من مال الوزير ، ولا هي إلا من مالي ، ورسالته أقبح مما تذهب إليه ، وإني كرهت تلقيك بها ، وأنت من شيوخ هذه الصناعة ، فتحملت لك هذا الغرم من مالي ، من غير علم صاحبي ، صيانة لك وله . فقال : أما أنت ، فأحسن الله جزاءك ، ولا حاجة بي إلى مالك ، ولو مصصت الثماد ، ولكن أنشدك الله ، إلا ما أبلغتني رسالته بعينها ، وحزت بذلك شكري . قال : فأديتها إليه على حقها وصدقها . قال : فقال : أحب أن تتحمل الجواب . فقلت : قل . قال : تقول له : والله ، ما آتيك لك نفسك ، وإنما أنت رجل قد صرت بابا لأرزاقنا ، إذ كنا لا نحسن صناعة غير الكتابة ، ولا تصرف فيها إلا من عندك ، ومن أراد دخول الدار ، يجب أن يأتيها من بابها ، وعلى الإنسان أن يتعرض للرزق ، ويأتي بابه ، فإن قسم الله له منه شيئا ، أخذه ، وإلا كان قد أدى ما عليه . وليس يمنعني استثقالك لي ، من قصدك ، فإن قسم الله لي شيئا من جهتك ، أو على يدك ، أخذته على رغمك ، وإلا فلا أقل من أن أؤذيك برؤيتي ، كما تؤذيني بعطلتي . قال : فانصرفت متعجبا منه ، ولم أعد على الوزير ذلك ، لئلا يغتاظ ، وتغافلت يومي . فلما كان من الغد ، بكر الوزير خارجا من داره ، وأنا معه ، فإذا بالشيخ ، فلما رآه ، التفت إلي ، وقال : ألم أنفذك إليه برسالة ؟ قلت : بلى . قال : فلم عاد ؟ قلت : الخطب طويل طريف ، وإذا اطمأن الوزير في مجلسه أخبرته . قال : فلما نزل في طياره ، قال : أخبرني بما جرى . فقصصت عليه القصة ، وحملي الدراهم من مالي ، وما جرى بأسره ، وأديت إليه رسالته بعينها ، فكاد أن يطير غيظا . وانتهى الكلام ، وقد قدم الطيار إلى دار الخلافة ، فدخل إليه وفي نفسه حديث الهبيري ، والغيظ منه ، فوقف بحضرة الخليفة ، وجرى الكلام . فقال له الخليفة : قد ألط عامل مصر بالمال ، وجنح إلى المدافعة ، فاختر رجلا شهما ، ننفذه مشرفا عليه ، ومطالبا بما مضى . قال : وكان ابن أبي خالد يعتني برجل متصرف يقال له الزبيري ، فأراد أن يسميه لذلك ، فقال : الهبيري ، لما كان في نفسه منه ، وقرب العهد بذكره ، والغيظ من أمره . فقال الخليفة : أو يعيش الهبيري ؟ قال : يا أمير المؤمنين لم أرد الهبيري ، وإنما أرد فلان بن فلان الزبيري . قال : يجوز أن تكون أردت الزبيري ، ولكن أخبرني بخبر الهبيري ، فقد كان له بي حرمة في حياة أبي ، وبأ سبابنا ، وهو واجب الحق علينا . فقال : نعم ، هو يعيش . قال : فأنفذه إلى مصر . فقال : يا أمير المؤمنين ، إنه لا يصلح . قال : ولم ؟ قال : قد اختل . قال : أحضرنيه حتى أشاهده ، فإن كان مختلا ، أمرت له بصلة وجار ، وإن كان ينهض بالعمل أنفذته . قال : يا أمير المؤمنين ، إنه متعطل منذ سنين ، وقد خمل ، وذهب اسمه ، وصوته ، وهذا عمل يحتاج إلى من له نباهة . قال : إذا أقبلنا عليه ، وندبناه لمثل هذا الأمر العظيم ، تجدد ذكره ، وتطرى أمره . قال : إنه لا حال له تنهضه . قال : يطلق له من مالنا مائة ألف درهم ، يصلح بها حاله ، ويحمل إليه من البغال والدواب والخيم والآلات . قال : فأخذ يعتل عليه . قال : أرى فيك تحاملا عليه ، لتصدقني عن أمره معك . فلجلج . فقال : بحياتي أصدقني ، فصدقه عن الخبر . فقال الخليفة : قد والله أجرى الله عز وجل رزقه على يدك بالرغم منك ، كما قال ، ووالله لا برحت ، أو تكتب عهده ، ويوصل بجميع ما أمرت به . ثم قال : علي بالهبيري . فأحضر ، وخرج ابن أبي خالد عليه ، فقال : يا هذا ، قد والله جاء رزقك على يدي بالرغم مني ، وجرى كذا وكذا ، وأخبره الخبر ، وسلم إليه التوقيعات بما أمر له به الخليفة ، والكتب إلى مصر ، وواقفه على العمل ، وأخرجه إليه .
مخ ۳۸۷