قالوا : وكان معروفا بالبخل على الطعام جدا ، وكان ندماؤه يلقون من ذلك جهدا . وكان يحضرهم ، ويطالبهم بالجلوس ، ويحضر كل شيء لذيذ شهي من الطعام ، فإن ذاقه منهم أحد ، ولو دانقا ، استحل دمه ، وعجل عقوبته . وكانت علامته معهم إذا شيلت المائدة ، أن يمسحوا لأيديهم في لحاهم ليعلم أنهم ما شعثوا شيئا يزهمها . وكان له ابن أخت ، يجتريء عليه ، ولا يفكر فيه ، ويهتك سترته إذا واكله . فقدمت يوما دجاجة هندية ، فائقة سرية ، فحين أهوى ابن أخته إليها ، قبض على يده أشد قبض ، وقال : يا غث ، يا بارد ، يا قبيح العشرة ، يا قليل الأدب ، في الدنيا أحد يستحسن إفساد مثل هذه ؟ . فقال ابن أخته : يا لئيم ، يا بخيل ، يا سيء الاختيار ، فلأي شيء تصلح ؟ تجعل عقدة على وجهه التركة للأعقاب ؟ واسطة للمخانق ، في صدور المجالس ؟ سرية يتمتع بالنظر إليها ؟ ما أقدر ، شهد الله ، أن أدعها من يدي . فتصابرا عليها ، إلى أن قال له الفتى : فافتدها من يدي . قال بما تحب . قال : ببغلتك الفلانية . قال . قد فعلت . قال : بسرجها ولجامها الحلى الفلاني . قال : قد فعلت . قال : ما أرفع يدي عنها ، أو يحضر ذلك . قال يا غلام أحضرها . | فأحضرت البغلة والمركب ، فسلمها الفتى إلى غلامه ، وأخرجها ، ورفع يده عن الدجاجة . وانقضى الطعام ، وشيلت المائدة ، وقام لينام . فخرج ابن أخته ، فقال للطباخ : علي بالفائقة الساعة ، وبجميع ما شلتموه ن المائدة ، فأضر إليه ، ورد الندمان ، وقعدوا ، فأكلوا ذلك وانصرفوا ، وقد أكل الدجاجة والطعام أجمع ، وحصلت على البغلة والمركب . قال : وإنما كان لا يطيق أن يرى ذلك يؤكل ، فأما إذا نحي من بين يديه ، لم يسأل عنه ، ولم يطالب به . أخبرني أبو الحسن بن الأزرق ، قال : حدثني أبي ، عن الحسن بن مخلد بهذا الحيث لأنه حصل مع ابن خالة الحسن بن مخلد ، قال : رأيت الفتى ، قد غدا إلينا ، إلى ديوان الخراج على بغلة الحسن بن مخلد ، فسألناه عن السبب ، فأخبرنا بذلك .
مخ ۳۶۷