تِلْكَ الْأَشْيَاء حجبا على الْحَقِيقَة كَمَا يُقَال
إِن الْحَائِط حجاب بيني وَبَين مَا وَرَاءه وَالْمرَاد بذلك أَنه مَانع من رُؤْيَته على معنى أَن الْمَنْع يحصل عِنْده والحجب يحصل مَعَه لَا أَنه هُوَ وَهَذَا كَمَا تَقول فِي الْقُيُود الثَّقِيلَة إِنَّهَا تمنع من الْمَشْي للمقيد بهَا على معنى أَن الْمَنْع يحدث عِنْد التقيد بهَا للمقيد من الْمَشْي وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَجَمِيع مَا ذكرهَا من أَلْفَاظ الْحجاب من هَذِه الْآيَة وَالسّنَن مَحْمُول على مَا ذَكرْنَاهُ ومرتب على مَا قُلْنَاهُ فمحال فِيهِ أحد الْوَجْهَيْنِ وَيصِح الآخر وَهَذِه جملَة تَكْفِي عَن الْجَواب عَن سَائِر هَذِه الْأَخْبَار
ثمَّ نقُول إِن معنى قَوْله ﷺ
دون الله سَبْعُونَ ألف حجاب من نور إِنَّمَا يرجع جَمِيع ذَلِك إِلَى المحجوبين من خلقه بهَا لَا إِلَى الله ﷿ وَأَنَّهَا حجب لَهُم لَا لَهُ
وَلم يذكر فِي الْخَبَر أَن تِلْكَ حجب الله لَيْسَ فِيهِ أَكثر من أَنَّهَا حجب وَإِذا لم يَصح أَن يكون الله ﷿ محجوبا كَمَا لَا يَصح أَن يكون مَمْنُوعًا وَلَا مَسْتُورا وَلَا محدودا وَلَا مغطى ثَبت أَنه يرجع إِلَى حجب المخلوقين
فَأَما حَدِيث عبد الرحمن بن سَمُرَة عَن النَّبِي ﷺ فِي قَوْله
رَأَيْت من أمتِي رجلا جاثيا على رُكْبَتَيْهِ بَينه وَبَين ربه حجاب
فَالْمُرَاد بِهِ حجاب للْعَبد عَن رَحْمَة الرب أَي مَمْنُوع الرَّحْمَة وَالنعْمَة حَتَّى أثيب على حسن خلقه ورحم بذلك فَأخذ الله تَعَالَى بِيَدِهِ أَي نجاه وخلصه