قلت هذا الاجماع الذى ذكره فى خبر الواحد العدل فى الاعتقادات يؤيد قول من يقول انه يوجب العلم والا فما لا يفيد علما ولا عملا كيف يجعل شرعا ودينا يوالى عليه ويعادى وقد اختلف العلماء في تكفير من يجحد ما ثبت بخبر الواحد العدل وذكر ابن حامد فى أصوله عن أصحابنا فى ذلك وجهين والتكفير منقول عن اسحاق بن راهويه قلت الفرق بين الشاهد الذى يشهد بقضية معينة وبين المخبر عن الرسول بشرع يجب على جميع الامة العمل بين هذا لو قدر أنه كذب على الرسول ولم يظهر ما يدل على كذبه للزم من ذلك اضلال الخلق والكلام انما هو فى الخبر الذى يجب قبوله شرعا وما يجب قبوله شرعا لا يكون باطلا فى نفس الامر يبقى الكلام فى كون المخبر المعين هل يجب قبول قوله وذاك بحث آخر وهكذا يجب أن يقال فى القياس والعموم ان كل دليل يجب اتباعه شرعا لا يكون الا حقا ويكون مدلوله ثابتا فى نفس الامر والله تعالى لم يأمرنا باتباع ما ليس بحق والمجتهد عليه أن يعمل بأقوى الدليلين وهذا عمل بالعلم فان رجحان الدليل مما يمكن العمل به ولا يجوز أن يتكافأ دليل الحق والباطل فأما اذا اعتقد ماليس براجح راجحا فهذا خطأ منه وبهذا يتبين أن الفقه الذى أمر الله به من باب العلم لا من باب الظن وأن الدليل ينقسم إلى ما يستلزم مدلوله والى ما يجوز تخلف مدلوله عنه لمعارض راجح كما أن العلة تنقسم إلى موجبة ومقتضية فأما تقسيم الادلة إلى قطعي وظني فليس هو تقسيما باعتبار صفتها فى أنفسسها بل باعتبار اعتقاد المعتقدين فيها وهذا مما يختلف باختلاف المستدلين فقد يكون قطعيا عند هذا ما ليس قطعيا عند هذا وبالعكس وأما كون الدليل مستلزما لمدلوله أو مرجحا لمدلوله فهو صفة له فى نفسه مثل كون العلة قد تكون تامة موجبة للمعلول وقد تكون مقتضية يتخلف عنها المعلول لفوات شرط أو وجود مانع فخبر العدل مرجح لمخبره ليس هو مستلزما لمخبره وكذلك الغيم الرطب في الشتاء وأمثال ذلك فالحاكم عليه أن يحكم بما ظهر من الحجج وقد يكون أحد الخصمين ألحن بحجته من خصمه فاذا قضى له بشىء فلا يأخذه فانما يقطع له قطعة من النار ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم و
﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾
وكذلك العالم عليه أن يتبع ما ظهر من أدلة الشرع ويتبع أقوى الادلة وهذا كله يمكن أن يعلمه فيكون عاملا بعلمه ويمكن أن يعجز عن العلم فيتبع ما يظنه وحينئذ فعمله بما يمكن أن يعلمه عمل بعلم وخطأ المجتهد تارة يكون لعدوله عن أرجح الادلة كعدوله فى غير ذلك عن الدليل المستلزم لمدلوله إلى ماليس كذلك وقد يكون عملا بأرجحها لكن اختلف عليه فهذا يقع فى الحكم والحاكم معذور بأن لا ينصب له دليل على صدق الصادق فى نفس الامر وأما الاحكام العامة الكلية فهل يجوز أن لا ينصب الله عليها دليلا بل يكون الذى جعله راجحا من الادلة ليس مدلوله ثابتا فى نفس الامر ولم يقم دليل على أنه مرجوح هذا موضع تنازع الناس فيه فيدخل فى هذا الواحد العدل الذى أوجب الله على المسلمين العمل به هل يجوز أن يكون فى نفس الامر كاذبا أو مخطئا ولا ينصب الله دليلا يوجب العدول عن العمل به فهذا ومن قال انه يوجب العلم يقول لا يجوز ذلك بل متى ثبتت الشروط الموجبة للعمل به وجب ثبوت مخبره فى نفس الامر وعلى هذا تنازعوا فى كفر تاركه لكونه عندهم من الحجج العلمية كما تكلموا فى كفر جاحد الاجماع لكن الاجماع لما اعتقدوا أنه لا يكون خطأ فى نفس الامر كان تكفير مخالفه أقوى من تكفير مخالف الخبر الصحيح فهم يقولون امكان كذبه أو خطئه ليس مثل امكان خطأ أهل الاجماع ولهذا كان الصواب أن من رد الخبر الصحيح كما كانت ترده الصحابة اعتقادا لغلط الناقل أو كذبه لاعتقاد الراد أن الدليل قد دل على أن الرسول لا يقول هذا فان هذا لا يكفر ولا يفسق وان لم يكن اعتقاده مطابقا فقد رد غير واحد من الصحابة غير واحد من الاخبار التى هى صحيحة عند أهل الحديث ومما يحقق أن خبر الواحد الواجب قبوله يوجب العلم قيام الحجة القوية على جواز نسخ المقطوع به كما فى رجوع أهل قباء عن القبلة التى كانوا يعلمونها ضرورة من دين الرسول بخبر واحد وكذلك فى اراقة الخمر وغير كذلك واذا قيل الخبر هناك أفادهم العلم بقرائن اختفت به قيل فقد سلمتم المسألة فان النزاع ليس فى مجرد خبر الواحد بل فى أنه قد يفيد العلم والباجي مع تغليظه على من أعدى حصول العلم به جوز النسخ به فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال القاضي فى مقدمة المجرد خبر الواحد يوجب العلم اذا صح سنده ولم تختلف الرواية به وتلقته الامة بالقبول وأصحابنا يطلقون القول فيه وأنه يوجب العلم وان لم تتلقه بالقبول والمذهب على ما حكيت لا غير وقال القاضى فى ضمن مسألة انعقاد الاجماع على القياس انما لم يفسق مخالفه اذا لم يتأيد بالاجماع عليه فأما اذا تأيد بالاجماع عليه قوى بالمصير اليه فيفسق جاحده وهذا كما قلنا فى خبر الواحد من جحده لا يفسق ومع هذا اذا انعقد الاجماع عليه فسق مانعه ومخالفه
مسألة قال ابن الباقلاني اذ لم نجد مقطوعا به فى العمل بخبر الواحد قطع برده وان لم يظهر نص قاطع فى الرد لان العمل بخبر الواحد مستنده الاجماع القطعي فإذا لم يوجد القطع أدى إلى العمل بالخبر بدون قاطع وهذا محال وقال الجوينى لا يقطع برده بل يجرى فيه كل مجتهد على موجب اجتهاده وهذا أصح
( شيخنا ) فصل
مخ ۲۲۳